مداد العاصمة



ثورة الفرشان.. حين نامت مدينة كاملة في العراء وأعلن الصبر استقالته الأخيرة

الثلاثاء - 09 يونيو 2026 - 12:40 ص

ثورة الفرشان.. حين نامت مدينة كاملة في العراء وأعلن الصبر استقالته الأخيرة

صوت العاصمة/ كتب/فاطمة اليزيدي:



لم تعد أزمة الكهرباء مجرد مشكلة خدمية عابرة يمكن الحديث عنها بلغة الأرقام والتقارير، ولم تعد ساعات الانقطاع الطويلة حدثًا يوميًا اعتاده الناس وألفوا قسوته. ما يحدث اليوم تجاوز كل حدود المعقول، وتحول إلى مأساة إنسانية مكتملة الأركان دفعت مدينة بأكملها إلى مغادرة منازلها والنوم في العراء، في مشهد صادم يختصر حجم الانهيار الذي وصلت إليه الأوضاع.

مع حلول كل مساء، تبدأ رحلة معاناة جديدة. تنطفئ الأنوار، وتتوقف المراوح، وتختفي وسائل التبريد، وتتحول المنازل إلى غرف خانقة تشتعل بحرارة الصيف القاسية. ساعات ثقيلة تمر على الأطفال والمرضى وكبار السن، بينما تتصاعد درجات الحرارة ويزداد الشعور بالعجز أمام واقع بات يفرض نفسه بقوة على الجميع.

ولأن للصبر حدودًا، فقد قرر الناس البحث عن متنفس خارج جدران منازلهم. خرجوا إلى الشوارع والساحات والأرصفة حاملين فرشاتهم البسيطة، لا بحثًا عن الترف أو التسلية، بل بحثًا عن نسمة هواء تمنحهم القدرة على احتمال ليلة أخرى من ليالي الحر والظلام.

هناك، تحت السماء المفتوحة، رسمت آلاف الفرشات صورة موجعة لمدينة أنهكها الانتظار. أطفال غلبهم النعاس فوق الأرصفة، وشيوخ أرهقتهم السنوات والحرارة، وعائلات بأكملها افترشت الأرض بعدما عجزت منازلها عن احتضانها. لم يكن ذلك مجرد مشهد عابر، بل كان رسالة غضب صامتة أقوى من آلاف الكلمات والخطب والبيانات.

ومن قلب هذه المعاناة ولدت ثورة الفرشان.

ثورة لم تخرج من خلف المنصات، ولم تكتب شعاراتها في المكاتب المغلقة، بل خرجت من وجع الناس الحقيقي. خرجت من حرارة الغرف المظلمة، ومن صرخات الأطفال، ومن قلق الأمهات، ومن تعب الآباء الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن توفير أبسط مقومات الراحة لأسرهم.

إن ثورة الفرشان ليست مجرد احتجاج على انقطاع الكهرباء، بل تعبير صادق عن حجم الاحتقان الذي يتراكم في صدور المواطنين يومًا بعد آخر. إنها صرخة مجتمع كامل يشعر بأن معاناته لم تعد تجد من يسمعها، وأن أزماته تتفاقم فيما الحلول ما زالت غائبة.

لقد أصبح مشهد النوم في الشوارع عنوانا لمرحلة مؤلمة لم يكن أحد يتخيل الوصول إليها. مرحلة لم يعد المواطن فيها يبحث عن الرفاهية أو الخدمات الإضافية، بل أصبح يبحث عن حقه الطبيعي في النوم داخل منزله دون اختناق، وعن حق أطفاله في قضاء ليلة هادئة بعيدًا عن الحر والعتمة.

كل فرشة وضعت على الرصيف كانت رسالة. وكل عائلة نامت في العراء كانت شاهدًا على حجم الأزمة. وكل شارع امتلأ بالمواطنين ليلًا كان يروي قصة طويلة من المعاناة والصبر والانتظار.

لكن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الثورة أنها لم تكن ثورة شعارات بقدر ما كانت ثورة واقع. فالناس لم يرفعوا لافتات بقدر ما رفعوا معاناتهم أمام الجميع. ولم يهتفوا كثيرًا، لأن مشهدهم وحده كان كافيًا ليقول كل شيء.

خاتمة :

ثورة الفرشان ليست مجرد ليلة نام فيها الناس خارج منازلهم، وليست حدثًا عابرًا سينتهي مع شروق الشمس. إنها لحظة فارقة كشفت حجم الألم المختبئ خلف الجدران، وأظهرت للعالم كيف يمكن لانعدام أبسط الخدمات أن يدفع مدينة كاملة إلى افتراش الشوارع.

فعندما تصبح الأرصفة غرف نوم جماعية، وعندما يتحول العراء إلى ملاذ أخير، وعندما يهرب المواطن من منزله بدلًا من أن يلجأ إليه، فذلك يعني أن الأزمة بلغت مرحلة الخطر، وأن الصبر الذي صمد سنوات طويلة قد وصل إلى نهايته.

لقد أعلن الصبر استقالته الأخيرة، وكتبت الفرشات الممددة في الشوارع بيانًا شعبيًا لا يحتاج إلى توقيع. بيانًا يقول إن الناس لم يعودوا قادرين على حمل المزيد من الأعباء، وإن معاناة الحر والظلام لم تعد تحتمل مزيدًا من الوعود المؤجلة. وبين عتمة الكهرباء ولهيب الصيف، ارتفع صوت الشارع واضحًا وصريحًا: قد تنطفئ المصابيح، لكن غضب الناس لن ينطفئ، وقد تغرق المدن في الظلام، لكن إرادة الشعوب تبقى دائمًا قادرة على إشعال الضوء في وجه كل هذا العتمة



الأكثر زيارة


ماجد الشعيبي: لا داعي لتحويل أزمة الكهرباء في عدن إلى مشكلة .

الإثنين/08/يونيو/2026 - 02:55 ص

اكد الإعلامي ماجد الشعيبي، رئيس تحرير موقع "البعد الرابع"، أن من يحاول المتاجرة بقضايا المواطنين في ظل الوضع المعيشي والخدمي المتردي الراهن،


وزير النقل يكلف قائماً بأعمال مدير عام مطار عدن الدولي وقائم.

الإثنين/08/يونيو/2026 - 02:20 م

أصدر معالي وزير النقل الأستاذ محسن حيدرة العمري القرار الوزاري رقم (31) لعام 2026، والذي قضى بتكليف د. سقاف علي سقاف محمد قائماً بأعمال مدير عام مطار


"الحو.ثيون" يعلنون حظر الملاحة الإسر.ائيلية بشكل كامل في الب.

الإثنين/08/يونيو/2026 - 09:24 ص

أعلن "الحوثيون" في اليمن عن حظر الملاحة الإسرائيلية بشكل كامل في مياه البحر الأحمر وذلك في أعقاب استئناف الضربات بين إيران وإسرائيل. أعلن المتحدث باسم


مستجدات كهرباء عدن حتى صباح الاثنين 8 يونيو 2026م.

الإثنين/08/يونيو/2026 - 01:42 ص

مستجدات كهرباء عدن – حتى الساعة 12:12 فجرا الاثنين 2026/6/8م ▪️ الطافي: 9 ساعات ▪️ اللاصي: 2 ساعات