مداد العاصمة



خرائط العرض والطلب

الخميس - 11 يونيو 2026 - 12:54 ص

خرائط العرض والطلب

صوت العاصمة/ كتب/ بسام أحمد عبدالله



من منطلق المسؤولية التاريخية والوطنية وضمن قراءة تحليلية متجردة تحرص على المصارحة السياسية الشاملة لتشخيص الواقع كما هو دون تجميل أو مواربة، يضع هذا المقال النقاط على الحروف بقلم يجمع بين الانتماء الثابت للمشروع التحرري للجنوب وبين وعي المحلل السياسي الذي يرى أبعاد اللعبة الجيوسياسية المعقدة التي تحيط ببلدنا والمنطقة برمتها.

إن القراءة العميقة والمجردة للمشهد تؤكد أن الفاعلين على الساحة المحلية يواجهون ضغوطاً هائلة تفرضها قوى دولية وإقليمية نافذة تحاول إدارة خيوط اللعبة بالكامل من خلف الستار ووفق حسابات استراتيجية معقدة تتجاوز في كثير من الأحيان قدرة المكونات المحلية على المناورة الحرة أو فرض السيادة الكاملة على القرار المستقل. حيث لم تعد الخطابات الإعلامية الحماسية أو البيانات السياسية التصعيدية أو حتى المواجهات العسكرية الميدانية تعبر بالضرورة عن مساحة الحرية المتاحة، بل إن ما يحدث على الأرض محكوم بموازين قوى خارجية وتوازنات دولية تدير المشهد وفق حسابات تفوق بكثير السقف المحلي. وتؤكد هذه القراءة التحليلية أن الأزمات في المنطقة باتت تخضع لاستراتيجية الإدارة والتوظيف لا الحل، حيث تجد المكونات كافة في الشمال والجنوب نفسها أمام تحدّي التحول إلى أدوات ضمن أجندات القوى العابرة للقارات والذين يسعون لإعادة تقسيم النفوذ والثروات على حساب سيادة واستقرار مجتمعاتنا ومستقبل شعوبها.

وفي هذا السياق يبرز وضع المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة وطنية حية تجد نفسها مجبرة على التعامل مع قيود ومعادلات اعتماده على الحلفاء والرعاية الخارجية، وهو ما يضع مناوراته السياسية وضغوطاته التصعيدية في مواجهة دائمة مع الخطوط الحمراء والتفاهمات التي تضعها القوى الإقليمية. حيث تعمد هذه القوى والتحالف في المرحلة الراهنة إلى اتباع سياسة التهدئة والمحافظة على الوضع القائم وتجميد الطموحات السياسية المشروعة مؤقتاً، ليس رغبة في إلغاء دور المجلس بل كعملية إدارة مرحلية بانتظار اتضاح الرؤية الدولية والمسار النهائي للملف الإيراني في المنطقة. ليبقى موقف المجلس هنا ورقة استراتيجية يراد لها الهدوء حتى تنضج التسويات الكبرى، ومن ثم يتم تفعيل هذا الدور أو تحجيمه وفقاً لنتائج هذا الصراع الإقليمي الأشمل.

وينسجم مع هذا الوضع الجيوسياسي المعقد التحول اللافت الأخير في خطاب المجلس السياسي والإعلامي تجاه الأشقاء في المملكة العربية السعودية، لينقل العلاقة من مربع الشراكة الحذرة الصامتة إلى مربع الضغط السياسي الخشن. وهو تصعيد يحمل دلالات ومشاهد ظاهرة على السطح السياسي تتمحور حول تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية والخدمية، وتحميل الحكومة والتحالف وتحديداً السعودية مسؤولية انهيار العملة المحلية وتردي الخدمات الأساسية كالكهرباء والمرتبات في عدن ومحافظات الجنوب، واعتبار الملف الاقتصادي ورقة عقاب جماعي وضغط سياسي. يضاف إليها التوجس المشروع للمجلس من وجود تفاهمات سعودية حوثية ثنائية قد تجري خلف الكواليس وعلى حساب القضية العادلة للجنوب، ومحاولة فرض صيغة للحل الشامل تتجاوز تطلعات شعب الجنوب أو تضع ممثله في هامش المعادلة. فضلاً عن الحساسية السياسية العالية تجاه التحركات السعودية في محافظتي حضرموت والمهرة عبر دعم مجلس حضرموت الوطني وتأسيس قوات درع الوطن، والتي يرى فيها الانتقالي محاولة صريحة لتقليص مساحة نفوذه وسلخه عن عمقه الاستراتيجي شرقاً.

أما خلف كواليس الأبعاد العميقة فتتحرك دلالات خفية ترتبط بصراع الأجندات الإقليمية ومحاولة فرض النفوذ بالوكالة. إذ لا يمكن فصل خطاب الانتقالي عن التباين الصامت وأحياناً المكتوم بين الأجندات والرؤى الإقليمية المختلفة في الجنوب. حيث يمثل التصعيد رسائل سياسية ساخنة للرياض مفادها أن أي ترتيبات للمنطقة لا تضمن مصالح الحليف الإقليمي الرئيسي للمجلس وموقعه الحيوي في الموانئ والسواحل ستواجه باضطرابات ومقاومة على الأرض. كما يمثل هذا الخطاب وسيلة ضرورية لتخفيف الضغط الشعبي المتزايد على قيادة المجلس والتي تواجه قلقاً من خسارة قاعدته الجماهيرية بسبب ضيق العيش وتدهور الأوضاع، فيلجأ الخطاب إلى توجيه أصابع الاتهام نحو الطرف الخارجي المهيمن كمسؤول عن هذه المعاناة لامتصاص الغضب وتصدير الأزمة الداخلية نحو الخارج. ناهيك عن السعي لاستباق الاستحقاقات النهائية نتيجة استشعار قيادة المجلس بأن مرحلة تجميد الأدوار قد تنتهي بصيغة تسوية تسحب البساط من تحت أقدام الجنوبيين عسكرياً وسياسياً، مما يدفعه لرفع سقف الخطاب للحصول على مكاسب وضمانات سياسية صلبة قبل الانخراط في أي مسار نهائي.

وعلى المقلب الآخر في الشمال تبرز سلطة الأمر الواقع والقوى المسيطرة من الحوثيين وحلفائهم كأدوات يتم توظيفها ودعمها بشكل غير مباشر من قبل القوى الدولية التي ترسم ملامح المنطقة خلف الكواليس، وأتيح لها التمدد والمناورة. حيث إن استمرار سيطرتهم وقدرتهم على الابتزاز ليس نابعاً من قوة ذاتية خارقة، بل لأن وجودهم يؤدي وظيفة حيوية تخدم الأجندة الدولية في خلق أزمة اقتصادية عالمية مستدامة تبرر إعادة عسكرة البحار والممرات المائية الاستراتيجية كباب المندب والبحر الأحمر، وتحجيم قوى اقتصادية صاعدة وإعادة تقسيم النفوذ والثروات في المنطقة.

ووفق مبدأ الحسم المؤجل، فإنه من السذاجة السياسية افتراض أن القوى العظمى عاجزة عسكرياً عن إنهاء هذا الوضع وإخراجهم من المشهد، فالمعطيات العسكرية والجيوسياسية تؤكد أن الولايات المتحدة وحلفاءها يمتلكون القدرة الكاملة على تفكيك هذا الوجود وإنهائه سريعاً وبأدوات عسكرية حاسمة لو توفرت الإرادة السياسية الحقيقية.

وينسحب هذا التراخي الدولي على إيران نفسها كدور إيراني وظيفي تم وضعه وصناعته كعامل قلق دائم لخطوط الملاحة الدولية واقتصاد العالم عبر مضيقي هرمز وباب المندب. وهذا التهديد ليس منفصلاً عن التوافقات الضمنية الكبرى بين القوى العظمى، بل هو أداة ضغط وابتزاز واحتواء متبادل يسمح بوجودها لتحقيق غايات أبعد لترويض دول المنطقة وإبقائها تحت المظلة الأمنية الدولية.

وتأسيساً على هذه المعطيات يتضح أن الكثير من الصراعات المحلية والحروب العبثية والبيانات والتهديدات المتبادلة هي مجرد تفاصيل ثانوية ودخان تضلي يحجب الرؤية عن رقعة المصالح الحقيقية لصناع القرار الدولي، حيث إنها مجرد واجهات تُستغل لإنهاك الشعوب وتدمير الاقتصاديات المحلية وتفكيك الهويات لتصبح هذه المجتمعات منهكة وقابلة للاستسلام لأي حلول تُفرض عليها من الخارج. ويعتمد هذا التمهيد الجيوسياسي للنظام العالمي الجديد على مفهوم إدارة الأزمات للحفاظ على تدفق المصالح واستمرار عسكرة المنطقة وليس حلها، لأن الحلول تعني استقرار الأوطان واستعادتها لسيادتها الكاملة وهو ما يتعارض مع أجندة القوى الكبرى والشركات العابرة للقارات.

ووفقاً للقاعدة الاستراتيجية بأن القوى المحلية تجد نفسها محاصرة بواقع إدارة الأزمات بالوكالة ولا تملك وحدها أدوات الحسم، فإن المشهد العام ومآلات التصعيد الأخير تظل محكومة بسيناريوهات محددة: أولها سيناريو الاحتواء الاقتصادي والسياسي الحذر وهو الأكثر ترجيحاً، بأن يتم الرد بسياسة النفس الطويل من القوى الإقليمية عبر تقديم مسكنات اقتصادية مؤقتة كودائع ووقود للكهرباء لتهدئة الشارع مع تقديم وعود شفهية للمجلس بضمان مقعده في المفاوضات الشاملة مقابل خفض حدة الخطاب، مما يبقي المكونات في الجنوب في حالة التجميد الدافئ دون منحها نصراً استراتيجياً حاسماً. وسيناريو ثانٍ يتمثل في الصدام غير المباشر وتفكيك النفوذ جغرافياً إذا تجاوزت الضغوط المحلية الخطوط الحمراء، حيث قد تلجأ القوى الإقليمية إلى تفعيل أدواتها البديلة بشكل خشن عبر التوسع العسكري لقوات درع الوطن في شبوة وأطراف أبين ودعم التيارات المناهضة للمجلس في حضرموت والمهرة، مما يؤدي ربما إلى محاولة حصار المجلس جغرافياً وسياسياً داخل مثلث ضيق يشمل عدن ولحج والضالع وإضعاف موقفه التفاوضي. أما السيناريو الثالث فهو التفاهم الشامل وصفقة الكبار، بأن يفضي هذا التصعيد إلى الجلوس على طاولة مفاوضات مغلقة تعيد رسم الحص بين القوى الإقليمية المؤثرة في خارطة النفوذ، ويتم صياغة ملحق جديد أو صيغة معدلة لاتفاقات سابقة تضمن مصالح القيادات العليا للمكونات مقابل انخراطهم في المشروع الإقليمي الجديد للمنطقة. ناهيك عن سيناريو التوظيف التكتيكي الذي يضمن استمرار إبقاء المجلس في حالة الاستعداد والجاهزية دون السماح له بتحقيق حسم كامل ليكون ورقة ضغط جاهزة للاستخدام في حال تعثرت المفاوضات الكبرى، أو سيناريو التحجيم والتفكيك الذي قد يجبر المجلس في حال نضوج تفاهمات إقليمية دولية شاملة مع طهران على تقديم تنازلات جوهرية تذوب بموجبها الطموحات السياسية لصالح صيغة حكم مشتركة تلبي مصالح الكبار.

وقراءة هذه المعطيات تضعنا أمام استحقاق وطني مصيري يفرض على القوى الحية في الجنوب التعامل بيقظة تامة مع واقع يعاد فيه تشكيل الخارطة السياسية والاقتصادية للمنطقة ككل، فالضغوط الراهنة وحالة التدافع الجارية تؤكد أن هامش المناورة يضيق تدريجياً وأن محاولات القوى الخارجية لفرض نمط تقليدي في التعاطي مع المشهد لا تستهدف إلا محاولة تكريس التبعية وتمرير التفاهمات الدولية العابرة للحدود على حساب المكتسبات التي عمّدها شعب الجنوب بتضحياته على الأرض.

وفي ظل هذه التحولات الكبرى تتجه المنطقة برمتها نحو إعادة صياغة جغرافية وسياسية شاملة، وتصعيد المكونات المحلية شمالاً وجنوباً يقع في خطوط العرض والطلب الدولية. حيث يصارع المجلس لرفع كلفة تهميشه والحفاظ على مكتسبات شعبه في ظل فوضى خلاقة تمهد لفرض واقع سياسي واقتصادي جديد يخدم صعود النظام العالمي الجديد. وتظل النتيجة الحتمية لهذه التحولات هي محاولة ولادة خارطة نفوذ وثروات جديدة تقسم بين الكبار على حساب سيادة الأوطان المطحونة ومستقبل شعوبها، التي يقع على عاتق قواها الحية استيعاب اللعبة والتعامل مع تحولاتها بوعي ويقظة تفك استراتيجية التوظيف والتبعية. ومن هنا يصبح لزاماً على المجلس الانتقالي والقيادات الجنوبية استيعاب شروط اللعبة الجيوسياسية الجديدة والتحرك بمرونة استراتيجية تمكنهم من حماية قرارهم المستقل والوقوف بحسم أمام محاولات التهميش أو استخدام القضية الجنوبية كورقة مقايضة في بورصة التوازنات الدولية. ليبقى الرهان الحقي معقود على وعي الشارع الجنوبي وتلاحم قواه الحية لفرض واقع جديد يكسر نمطية إدارة الأزمات ويحقق تطلعات شعب الجنوب بامتلاك سيادته وثرواته بعيداً عن خرائط العرض والطلب الخارجية



الأكثر زيارة


العمري والزغلي.. بصمة قيادة صنعت الاستقرار بمطار عدن الدولي .

الأربعاء/10/يونيو/2026 - 08:03 م

الى الاستاذ عبدالرقيب العمري مدير عام مطار عدن الدولي سابقاً، ونائب مدير المطار الدكتور منيف الزغلي.. توليتما مسؤولية إدارة مطار عدن الدولي في مرحلة ك


تكريماً لعطائه الإنساني.. جمعية الشباب بأقذيذ والمشارع تمنح .

الأربعاء/10/يونيو/2026 - 09:13 م

منحت جمعية الشباب للتنمية الإنسانية بمنطقة أقذيذ والمشارع، مديرية الشعيب بمحافظة الضالع، رجل الخير والعطاء عماد سعيد الحكم، درع الجمعية تقديراً لجهوده


برئاسة الدكتور محمد قشاش .. اللجنة العليا للمناهج بجامعة عدن.

الأربعاء/10/يونيو/2026 - 11:29 م

عقدت اللجنة العليا للمناهج بجامعة عدن اجتماعها الدوري صباح اليوم، برئاسة الأستاذ الدكتور محمد أحمد قشاش، القائم بأعمال نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاد


أربع رصـ,ـاصات في الظهر.. تفاصيل جريمة قـ,ـتل شاب لعمه بطريق.

الأربعاء/10/يونيو/2026 - 04:07 م

ألقت شرطة مديرية حبان بمحافظة شبوة، القبض على متهم أقدم على قتل عمه إثر خلافات شخصية بينهما. وذكرت الشرطة أن المتهم "م. ع. أ. أ. ب." (25 عاماً)، أطلق