الشعوب الحرة لا تطالب بإنصاف الحلول
الجمعة - 12 يونيو 2026 - 03:27 ص
صوت العاصمة/ كتب / د. يحيى شايف ناشر الجوبعي
أ-المقدمة:
تتأسس العدالة، في مفهومها المطلق، على عدم القابلية للتجزئة؛ فالحق كائن حي، إن بترت نصفه مات كله.
فعندما يرتضي شعب تحت الاحتلال أو الوصاية المطالبة (بنصف الحق) فإنه لا يمارس واقعية سياسية أو مرونة نضالية كما يشاع ، بل يشرعن من حيث يدري أو لا يدري لسلب النصف الآخر.
إن القبول بالتجزئة هو أولى خطوات السقوط التام ويتضح ذلك من خلال :
أولا:المرجعية الوجودية
إن الحق لا يجزأ لأن الحرية وعي مكتمل
من الناحية الفلسفية،
ولهذا فأن الحقوق السيادية والوطنية ليست سلعا خاضعة للمساومة أو لقوانين العرض والطلب ؛ لأن الحرية ليست مجرد غياب للقيود المادية، بل هي حالة من الوعي المكتمل الذي يرى في (النصف) خداعا بصريا يبقي مسببات الاستلاب قائمة مع تغيير قشرتها الخارجية فقط ويتضح ذلك من خلال:
١-إسقاط المشروعية:
إن من يطلب (نصف حقه) يقدم اعترافا ضمنيا بأن للمحتل أو القوة الجائرة مشروعية في حيازة النصف المتبقي.
٢- تدمير المبدأ:
إن المطالبة بنصف الحل تحول القضية من مسألة مبدأ إلى صفقة تجارية، وفي عالم المبادئ ، نصف الموقف هو غياب للموقف، ونصف الحرية هو عبودية مقنعة، ونصف السيادة هو احتلال مغلف ؛ فالشعوب التي تذوقت معنى الكرامة تدرك أن مطالبة الشعب بنصف الحل هي إدانة لذاته، وإعلان مبكر عن قبول التبعية.
ثانيا: فخ المسكنات:
في أدبيات التحرر، هناك فارق بنيوي بين مقاومة تسعى لاقتلاع الجذور ، وبين احتجاج يتفاوض على تحسين شروط العيش تحت وطأة الهيمنة .
ان ترجمة أنصاف الحلول في سياق الحركات الوطنية تتمثل في تقديم المطالب المعيشية والخدمية المؤقتة (كالرواتب أو الكهرباء) على حساب الحقوق السياسية والسيادية الجذرية.
٣-منطق الابتزاز والتدجين .
ويتم من خلال المقاربات الالتفافية من خلال أدوات تتقنها القوى المهيمنة ؛ تسلب المجتمع كل حقوقه، فإذا انتفض، وهبته نصف حق(فتاتا خدميا) لامتصاص غضبه وتبريد حراكه ، وان برد انتزعت منه ذلك النصف .
٤-تحول ميزان القوى السيكولوجي ويتم من خلال النزول بالسقف المطالبي ليغير المعادلة النفسية؛ فالذي يطلب حقه كاملا يتحدث بلغة الندية والواجب، بينما من يطلب نصفه يتحدث بلغة الرجاء والمساومة.
هذا التراجع يمنح المحتل شعورا بالتفوق، ويجعله يرى في منح هذا النصف مَكرمة ومنة منه، وليس ردا لمظلمة.
ثالثا: أنصاف الحلول مقبرة للمستقبل وموت للوعي.
تثبت التجارب التاريخية الصارمة أن أنصاف الحلول لا تؤسس لاستقرار، بل تؤجل الانفجار الحتمي مع مضاعفة كلفته، وتورث المجتمع حالة من الخنوع والاتكالية من خلال:
١-إعادة إنتاج الأزمة .
إن القبول بتسوية هشة أو سلطة منقوصة السيادة يمنح الطرف المتسلط شرعية مجانية لإعادة ترتيب أوراقه، والالتفاف على المطالب الكلية لاحقا.
٢- استنزاف الطاقات .
إن الانشغال بأنصاف الحلول يستنزف الرصيد النضالي للشعوب في معارك جانبية وصغيرة، مما يطيل أمد المعاناة ويهدر تضحيات الأجيال، ليصبح الإنجاز بنظرهم هو مجرد البقاء على قيد الحياة، بدلا من العيش بكرامة وحرية كاملة.
رابعا : الحتمية العملية:
إن التلازم البنيوي بين السيادة والخدمات المستدامة وتفكيك المعادلة يقودنا إلى حقيقة قطعية تتضح من خلال :
١-أنصاف الحقوق لا تدوم لان هوية الشعوب الحرة تتأسس على التلازم المطلق بين الكرامة الإنسانية والسيادة الوطنية؛ ولهذا لا يمكن لشعب أن يكون حرا في قراره وهو مرتهن في لقمة عيشه أو خدماته الأساسية لطرف آخر يتحكم بها كأداة عقاب أو مكافأة.
إن من يطلب نصف الحق (كالخدمات مثلاً) ويتنازل عن كلية (السيادة أو القرار) لن يحصل حتى على ذلك النصف بشكل مستدام؛ لأن الطرف الذي يملك القدرة على حجب نصف حقك، يملك بالضرورة القدرة على سلب النصف الذي أعطاك إياه في أي لحظة، طالما أن أدوات القوة والقرار لا تزال في يده. لذلك يرى العقل الجمعي الحر أن معركة الخدمات لا تحل بالاستجداء ، بل بانتزاع أدوات السيادة كاملة.
ج-الخاتمة:
الثمن الفادح والخيارات الصفرية يكمن في المحصلة، لأن هذه العبارة تلخص قانونا تاريخيا لا يرحم لأن من يطلب نصف حقه يخسر حقه كله.
إنها معادلة صفرية مع الاحتلال والتبعية، تؤكد أن المسافة بين نصف الحل والخنوع الكامل مجرد شعرة دقيقة فقط.
إنها دعوة لرفع السقوف ومجابهة الجذور بدلا من الانشغال بالقشور ؛ فالعدالة لا تجزأ ، والحرية لا تقسط، والكرامة ؛ إما أن تكون كاملة أو لا تكون ،ولهذا فإن نيل الحقوق يتطلب وعيا يرفض المقايضة، وشجاعة تدرك أن التنازل عن شبر واحد من الحق هو تمهيد للتنازل عن الوطن والوجود، وأن الشعوب التي تكتب تاريخها بتضحياتها لا ترتضي إلا بالحلول الجذرية التي تعيد الأمور إلى نصابها الحر المستقل بكامل السيادة .
د. يحيى شايف ناشر الجوبعي