كيف انتهى الامر بسلطنة عُمان لتكون في مرمى سهام دونالد ترمب
الثلاثاء - 16 يونيو 2026 - 02:55 ص
صوت العاصمة/ نيويورك تايمز
حين هدّد الرئيس ترامب، عَرَضاً الشهر الماضي، بقصف سلطنة عُمان، وهي حليف طويل الأمد لأمريكا، كان الأمر استثنائياً لدرجة أن البعض افترض أنه أخطأ في التعبير؛ فمن المؤكد أنه كان يقصد إيران، أليس كذلك؟
لقد وجدت سلطنة عُمان الوادعة نفسها في مرمى نيران إدارة ترامب، وعلى خلاف مع جيرانها من دول الخليج العربية، حيث يُنظر إليها من قِبل البعض على أنها متعاطفة أكثر من اللازم مع إيران، وفقاً لما ذكره محللون.
يقول عبد الله باعبود، الأكاديمي العُماني: "أحياناً لا يكون الوقوف في المنتصف بالأمر السهل، فبالنسبة لواشنطن، يبدو الأمر وكأنك إما معنا أو ضدنا، وعُمان لا ترغب في فعل ذلك".
وسهّلت عُمان محادثات بين الولايات المتحدة وإيران لسنوات، وتؤكد أنها لا تزال تلعب دورها التقليدي كوسيط محايد، داعيةً إلى الاستقرار الإقليمي.
ثم تبين في الشهر الماضي أن سلطنة عُمان ناقشت إمكانية الشراكة مع إيران لفرض رسوم خدمات على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز، متجاهلةً بذلك تحذيرات إدارة ترامب الصارمة من مغبة هذه الخطوة، وهنا استشاط الرئيس غضباً، إذ صرّح ترامب للصحفيين في أواخر مايو قائلاً: "ستنصاع عُمان للأمر الواقع تماماً مثل أي طرف آخر، وإلا سنضطر إلى تدميرهم. إنهم يفهمون ذلك، وسيكونون بخير".
وقد أحدث هذا التهديد صدمة عارمة في جميع أنحاء المنطقة، غير أن موقف الحكومة العُمانية اتسم بالصمت التام، ولم تستجب لطلب التعليق على هذا الأمر.
لقد عُرفت عُمان، وهي دولة مسالمة تتربع على الطرف الجنوبي الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وتطل مباشرة على إيران عبر مضيق هرمز، بأنها تنأى بنفسها نوعاً ما عن بقية دول المنطقة، وفي هذا السياق، يقول مارك سيفرز، وهو سفير أمريكي سابق لدى سلطنة عُمان: "ما كانوا يقولونه لي دائماً هو: ’ حسنًا، نحن نافذة الخليج على إيران، وهذه وظيفة يجب احترامها‘، وأعتقد أن هذا الاحترام كان قائماً بالفعل إلى حد معين".
وقد خلّفت الحرب الأخيرة فجوة أكبر بين سلطنة عُمان وجاراتها من الدول العربية، التي تجمعها طالما علاقات أكثر عدائية مع إيران.
ففي مارس الماضي، على سبيل المثال، وبينما كانت دول خليجية أخرى تستضيف قواعد عسكرية أمريكية تتعرض لضربات موجعة بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، بعث سلطان عُمان، الهيثم بن طارق، ببرقية تهنئة إلى مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى المعيّن حديثاً في إيران. ويرى بدر السيف، الأستاذ المساعد في التاريخ بجامعة الكويت، أن هذا التقارب قد أثار استياء البعض في دول خليجية أخرى، حيث قال: "هناك تساؤل يتردد الآن: هل خرجت عُمان عن الصف؟ لم نعد في عصر يحتمل الضبابية والغموض، بل يتعين على الجميع الآن تحديد مواقفهم بكل وضوح".
وقد نجت عُمان إلى حد كبير من الهجمات الإيرانية على النقيض من بقية دول الخليج، وبفضل الهدوء النسبي الذي تنعم به وموقعها الاستراتيجي، وجدت السلطنة نفسها في وضع اقتصادي يخدم مصالحها بشكل غير متوقع.
فقد أدت الحرب إلى إغلاق مضيق هرمز فعلياً، وهو ممر مائي عالمي حيوي، مما أعاق قدرة الدول الخليجية الغنية بالوقود الأحفوري على تصدير النفط والغاز، ودفع بأسعار الطاقة العالمية إلى مستويات قياسية، ولكن نظراً لامتلاك عُمان موانئ تطل على بحر العرب، على بعد مئات الأميال خارج المضيق، فقد تمكنت من الاستمرار في تصدير نفطها دون أي عوائق.
وفي الربع الأول من العام، وفي الوقت الذي شهدت فيه بعض الدول المجاورة تراجعاً حاداً في إيراداتها نتيجة عجزها عن إيصال النفط والغاز إلى عملائها، سجلت سلطنة عُمان ارتفاعاً بنسبة 13% في الإيرادات الحكومية.
وللأسباب ذاتها، عادت الحرب بالنفع أيضاً على سلطنة عُمان من خلال تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية؛ إذ جرى تحويل مسار الشحنات التي كانت تصل بحراً إلى دولة الإمارات ليتم توجيهها عبر الموانئ العُمانية الأسهل وصولاً، ومن ثم نقلها براً عبر الشاحنات.
وفي هذا الصدد، صرّح رجل الأعمال العُماني، توفيق اللواتي، في مقابلة له بأن الأزمة الراهنة تمثل "فرصة تاريخية" لبلاده للاستفادة من مزاياها الجغرافية، داعياً إلى الاستثمار في البنية التحتية، مثل خطوط أنابيب الطاقة والسكك الحديدية، "لتلبية متطلبات هذه المرحلة الحرجة".
ويرى العديد من المسؤولين والمحللين الخليجيين أن الحرب يجب أن تدفع نحو تعاون إقليمي وثيق، مطالبين دول الخليج بالتكتل معاً لمواجهة التهديد المشترك، إلا أن تجربة عُمان تظل نموذجاً حياً على كيف أدى هذا النزاع في الأغلب إلى توسيع الفجوات بين دول المنطقة، ففي أعقاب ضربة قاضية استهدفت مطار الكويت الدولي الأسبوع الماضي، أدانت سلطنة عُمان الهجوم، وإن لم تسمّ إيران صراحة؛ بل أعربت الحكومة بدلاً من ذلك عن "رفضها لكافة الأعمال العسكرية التي تقوض أمن المنطقة"، في إشارة مبطنة ليس لإيران فحسب، بل لإسرائيل والولايات المتحدة أيضاً.
كانت عُمان ترتبط بعلاقات جيدة مع واشنطن خلال الولاية الأولى لإدارة ترامب، وفقاً لما ذكره سيفرز، الذي شغل منصب السفير الأمريكي هناك من عام 2016 حتى 2019، وعقب مغادرة ترامب لمنصبه، أبرمت شركته العائلية صفقة لتطوير مشروع عقاري فاخر يحمل علامة "ترامب" التجارية في عُمان، مما أدى إلى تشابك المصالح بين الحكومة العُمانية وأقارب ترامب على نحو أثار مخاوف أخلاقية لدى الخبراء.
غير أن تلك الروابط التي بدت دافئة في الظاهر بدأت في التآكل العام الماضي، وذلك بعد أن قادت إسرائيل حرباً خاطفة ضد إيران شاركت فيها القوات الأمريكية، مما أدى إلى وأد المفاوضات الوليدة بين الولايات المتحدة وإيران والتي كانت عُمان تسعى لتسهيلها، وبالمثل، وفي الفترة التي سبقت الحرب الحالية، عادت عُمان مجدداً لتمارس دور الوساطة بين الطرفين.
وقد تجلى بوضوح تبني عُمان لرؤية مغايرة عن رؤية ترامب تجاه تلك المحادثات في أواخر فبراير الماضي، حينما أدلى وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، بمقابلة اتسمت بصراحة غير معهودة مع شبكة "سي بي إس" (CBS)، أكد فيها أن اتفاق السلام كان "في متناول اليد، لو أننا أتحنا للدبلوماسية المساحة التي تحتاجها للوصول إلى غايتها"، ولكن عوضاً عن الاتفاق، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل في اليوم التالي حرباً مشتركة ضد إيران، لتندفع المنطقة نحو الصراع الراهن.
ويرى السيف أن هناك شعوراً مرجحاً بالإحباط والحرج من الجانب العُماني، نظراً لأن السلطنة بذلت جهوداً حثيثة لمنع قيام الحرب، ثم أقدمت الولايات المتحدة بعد ذلك على مهاجمة إيران — ليس لمرة واحدة، بل مرتين.
أما من الجانب الأمريكي، فقد أثارت تصريحات وزير الخارجية العُماني استياءً واسعاً، بحسب ما أفاد به سيفرز، الذي أوضح قائلاً: "لقد صوّر الموقف الإيراني على أنه عقلاني تماماً، وأعتقد أن هذا الأمر أثار غضب الكثيرين في واشنطن".
وبُعيد ذلك، عقد البوسعيدي اجتماعاً مع صحفيين عُمانيين أبلغهم فيه بأن الحرب تفتقر إلى الشرعية القانونية، وفقاً لما أوردته صحيفة "عُمان" اليومية.
لقد كان من غير المألوف أن يتحدث مسؤول عُماني بمثل هذه الجرأة علناً، ورغم ذلك لم يتوقف البوسعيدي عند هذا الحد.
ففي مقال نشرته مجلة "إيكونوميست" في مارس الماضي، كتب قائلاً إن "أصدقاء أمريكا يقع على عاتقهم مسؤولية قول الحقيقة"، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة قد "فقدت السيطرة على سياستها الخارجية" لصالح إسرائيل.
وقد أكسبت هذه الطروحات سلطنة عُمان إعجاباً من قِبل البعض، بمن فيهم ناشطون حقوقيون عرب وأكاديميون يساريون، غير أنها لم تضمن لها أي قبول أو نية حسنة من جانب إدارة ترامب.
ويرى سيفرز أن استعداد عُمان لمناقشة فرض رسوم خدمات على السفن التي تعبر مضيق هرمز كان بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير" وأدت إلى تهديد ترامب.
وعند سؤال مسؤول في البيت الأبيض عن التوترات مع عُمان، لم يوجّه إجابة مباشرة، لكنه أفاد بأن الرئيس لن يسمح لإيران أو لأي دول أخرى بالمساس بحرية الملاحة في المضيق أو فرض رسوم مرور، وتحدث هذا المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة الشؤون الدبلوماسية.
وكانت عُمان تناقش مفهوم "رسوم الخدمات" وليس "رسوم المرور"، وعندما سُئل مسؤول البيت الأبيض عما إذا كان ترامب يجد هذا التمييز بين المفهومين مقبولاً، لم يحر جواباً.
وخلال إيجاز صحفي عُقد عقب تهديد ترامب بقصف عُمان، صرّح وزير الخزانة، سكوت بيسنت، بأنه تحدث مع السفير العُماني، والذي طمأنه بأن السلطنة تقف في صف الولايات المتحدة و"ليس لديها أي خطط لفرض رسوم مرور في المضيق".
وأضاف بيسنت قائلاً: "كما ذكر السفير، فإن بلدينا يربطهما 200 عام من العلاقات الطيبة، وهو يرغب في أن تستمر هذه العلاقات لمئتي عام أخرى".