تهمة الخيانة العظمى بين القانون والسياسة .. من يحاكم من ؟
الخميس - 18 يونيو 2026 - 12:29 ص
صوت العاصمة/ كتب / د. محمود شائف
أعادت الإحاطة التي قدمتها الحكومة اليمنية إلى مجلس الأمن يوم أمس وما تضمنته من اتهامات للمجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي بالسعي إلى تقويض المركز القانوني للدولة اليمنية، طرح سؤال قديم ومتجدد في آن واحد: من يملك حق توجيه تهمة الخيانة؟ وهل تصبح هذه التهمة حكماً قانونياً محايداً يصدر باسم الدولة ومؤسساتها، أم أنها تتحول في أوقات الصراع إلى أداة سياسية يستخدمها كل طرف ضد خصومه؟
فليست المشكلة في تهمة "الخيانة العظمى" بحد ذاتها، بل في الكيفية التي تُستخدم بها داخل الأنظمة الهشة والصراعات المفتوحة. ففي مثل هذه البيئات لا يصبح القانون مرجعاً محايداً للفصل بين الخصوم، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة سياسية بيد الطرف الأقوى، يوجهها حيث يشاء ويعطلها متى شاء.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً عندما تُطرح مثل هذه الاتهامات في واقع يمني استثنائي؛ حيث تبدو الدولة التي يجري الحديث عن المساس بمركزها القانوني عاجزة عن ممارسة سيادتها على عاصمتها ومؤسساتها الرئيسية، بينما تتوزع السلطة الفعلية بين أطراف وقوى متعددة داخل البلاد وخارجها. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام نزاع قانوني حول مفهوم الدولة وشرعيتها، أم أمام صراع سياسي تستخدم فيه النصوص القانونية لتبرير مواقف سياسية متعارضة؟
ومن يتأمل المشهد اليمني خلال العقود الماضية يلاحظ أن مفهوم الخيانة لم يكن ثابتاً أو خاضعاً لمعايير قانونية واضحة، بل ظل مرتبطاً بموازين القوة والتحالفات المتغيرة. فالشخص الذي يُتهم اليوم بالخيانة قد يصبح شريكاً في السلطة غداً، والجماعة التي تُصنف عدواً للدولة قد تتحول لاحقاً إلى طرف تفاوضي تُقدم له التنازلات وتُعقد معه الاتفاقات.
لقد شهد اليمن عشرات الأحكام والقرارات والاتهامات السياسية التي صدرت في لحظة صراع، ثم فقدت قيمتها بمجرد تغير موازين القوى. فكم من شخصيات وجماعات تعرضت للعقوبات الدوليه ووجهت إليها أخطر الاتهامات، ثم جرى التعامل معها لاحقاً باعتبارها جزءاً من الحل السياسي؟ وكم من قرارات دولية صدرت، وقرارات لمجلس الأمن أُعلن أنها تمثل إرادة المجتمع الدولي، لكنها بقيت معلقة بين النص والتطبيق حبر على ورق، لأن موازين المصالح كانت أقوى من موازين العدالة.
لقد تحول القانون في كثير من الأحيان من أداة لحماية المجتمع إلى وسيلة لإدارة الصراع، وأصبحت التهم السياسية تُرفع وتُخفض وفقاً لحسابات النفوذ لا وفقاً لحقائق الوقائع. ولهذا لم يعد مستغرباً أن نرى من كان يوصف بالأمس بأنه انقلابي أو متمرد أو إرهابي يتحول إلى شريك تفاوضي مطلوب رضاه، بينما تبقى حقوق الضحايا ومطالب الشعوب مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
وفي خضم هذه التحولات، كان الشعب اليمني في الشمال والجنوب هو الخاسر الأكبر. فحين تغيب العدالة المستقلة وتُختطف مؤسسات الدولة لصالح القوى المتصارعة، تتآكل الثقة بالقانون وتفقد الأحكام والقرارات قيمتها الأخلاقية والسياسية. وعندما تصبح الوطنية والخيانة مجرد أوصاف يحددها ميزان القوة، فإن الحقيقة نفسها تصبح ضحية للصراع.
ولعل أخطر ما أفرزته سنوات الحرب هو هذا التشويه العميق للمفاهيم؛ حيث تحول بعض المتسببين بالمآسي إلى أطراف يجري استرضاؤها ومخاطبة مطالبها، فيما تم تهميش أصحاب الحقوق الحقيقية. حتى بدا المشهد في كثير من الأحيان وكأن المجرم أصبح ضحية، والضحية أصبحت مطالبة بإثبات براءتها أمام العالم.
ومن هنا فإن الحديث عن العدالة في اليمن لا يمكن أن يقتصر على نقد السلطات المحلية وحدها، بل يمتد أيضاً إلى دور المجتمع الدولي ومؤسساته. فكيف يمكن إقناع الشعوب بجدوى القانون الدولي بينما تبقى القرارات الدولية رهينة المصالح؟ وكيف يمكن الحديث عن العدالة فيما تتحول بعض المؤسسات الدولية ومكاتب الوساطة إلى مجرد أدوات لإدارة الأزمة لا لإنهائها، وإلى شهود على المأساة أكثر من كونها مدافعين عن الحقوق؟
إن العدالة لن تتحقق ما دام التعامل مع قضايا الشعوب يتم من منطق التوازنات السياسية لا من منطق الحق. ولن تستعيد المؤسسات الدولية مصداقيتها ما دامت تنظر إلى القضايا العادلة بعين المصالح الكبرى لا بعين المبادئ التي تأسست عليها
أما في ما يتعلق بقضية شعب الجنوب، فإن جوهر المأساة لا يكمن فقط في استمرار تجاهل مطالبه السياسية، بل في التعامل معها بوصفها ملفاً تفاوضياً قابلاً للمساومة، لا قضية شعب يناضل منذ عقود من أجل حريته وكرامته وحقه في تقرير مستقبله. فحقوق الشعوب لا تُقاس بحجم النفوذ الذي تملكه، ولا بعدد القوى الدولية التي تدعمها، وإنما بعدالة قضيتها ومشروعية مطالبها وفقاً للقوانين والأعراف والمواثيق الدولية.
ويبقى السؤال الأخلاقي والسياسي معلقاً أمام الجميع: هل أُنشئت المنظمات الدولية لحماية الحقوق أم لحماية التوازنات؟ وهل وُجدت العدالة لتنتصر للمظلوم أم لتتكيف مع موازين القوة ؟
فما دام المنتصر هو من يكتب الرواية، ويصوغ الاتهام، ويحدد معنى الوطنية والخيانة، وما دامت المصالح أقوى من المبادئ، فإن العدالة ستظل شعاراً مؤجلاً، وستبقى الشعوب مطالبة بالنضال من أجل حقوقها حتى يأتي يوم يصبح فيه القانون فوق القوة، والحق فوق السياسة، والإنسان فوق المصالح.