د. محمد الزعوري: شعب الجنوب وسيناريو 1994م في نسخته الجديدة
الخميس - 18 يونيو 2026 - 01:57 ص
صوت العاصمة/ بقلم / الدكتور محمد الزعوري
إن الحملة السياسية والإعلامية التي تقودها القوى اليمنية في الخطاب الرسمي والاعلامي وفي الأروقة الدولية وفي مجلس الأمن ضد شعب الجنوب العربي وحامل قضيته المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقيادته السياسية ليست سوى محاولة بائسة لقلب الحقائق ، وتزييف الوقائع ، والتنصل من مسؤولية الفشل الذريع الذي لازم مشروعها طوال أكثر من عقد من الزمن .
إنه من المؤسف أن الأطراف التي عجزت عن استعادة صنعاء ، وفشلت في تحرير محافظاتها ومدنها وقراها من قبضة مليشيات الحوثي الإرهابية ، تحاول اليوم تحميل الجنوبيين مسؤولية إخفاقاتها ، بينما يعلم القاصي والداني أن الجنوب لم يكن يومًا سببًا في سقوط صنعاء ، ولا في انهيار مؤسسات الدولة اليمنية ، ولا في الهزائم المتتالية التي مُنيت بها القوى التي احتكرت القرار السياسي والعسكري تحت لافتة الشرعية منذ عقود .
منذ بدء حرب 2015م فتح شعب الجنوب أرضه ومدنه وبيوته أمام ملايين اليمنيين الفارين من بطش الحوثيين ، واستقبل قيادات الشرعية ومؤسساتها ، واحتضن حكومتها ومسؤوليها ، وقدم لهم الحماية اللازمة والدعم العسكري واللوجستي على حساب قضيتهم ، ومنحهم الفرصة تلو الأخرى لإعادة تنظيم صفوفهم للانطلاق لتحرير مناطقهم واستعادة عاصمتهم المختطفة .. لكن ما حدث كان العكس تمامًا ؛ إذ تحولت أهداف الحرب لدى الشرعية اليمنية من مواجهة الحوثي إلى استهداف الجنوب العربي وشعبه وممثله المجلس الانتقالي الجنوبي، ومحاولة إخضاعه سياسيًا وعسكريًا، والسعي للهيمنة على أرضه ونهب ثرواته والتحكم بقراره الوطني، حيث أصبح الجنوب العربي العدو الأول، بينما تُرك الانقلاب الحوثي يتمدد ويعزز سلطته ونفوذه في الشمال دون أي مواجهة تُذكر.
وإذا ما تأملنا مسار الأحداث خلال السنوات الماضية، فإن ما يحدث اليوم ليس إلا تكرارًا لسيناريو حرب احتلال الجنوب عام 1994م، وإن اختلفت الأدوات والشعارات والظروف. فكما جرى آنذاك توظيف الخطاب الديني والسياسي والإعلامي لتبرير استهداف الجنوب وإقصاء إرادة شعبه وفرض واقع بالقوة العسكرية ، تتكرر اليوم المحاولات ذاتها بأشكال مختلفة ، عبر حملات التشويه والتحريض والتنصل من المسؤوليات ، في مسعى لإعادة إنتاج السياسات نفسها التي أثبتت التجارب فشلها وعجزها عن تحقيق الاستقرار أو صناعة السلام .
لقد قدم شعب الجنوب تضحيات جسامًا لا يمكن إنكارها أو تجاوزها .. فمنذ انطلاق الحرب عام 2015م واجه الجنوبيون المشروع الحوثي الإيراني بصدور عارية وإرادة صلبة ، وسطروا ملاحم بطولية في عدن ولحج وأبين والضالع وشبوة وحضرموت وكل مدن ومناطق الجنوب العربي ، وقدموا آلاف الشهداء والجرحى والأسرى دفاعًا عن أرضهم ، وأثناء مساندتهم للقوات اليمنية في مواجهة الحوثي في الحديدة ومأرب وتعز وتعزيز أمن المنطقة بأسرها .. كما خاضت القوات الجنوبية معارك شرسة ضد التنظيمات الإرهابية ، وحققت إنجازات كبيرة شهد بها المجتمع الدولي والشركاء الإقليميون ، في الوقت الذي كانت فيه بعض القوى السياسية اليمنية تتلاعب بالملفات الأمنية والعسكرية لخدمة أجنداتها الحزبية الضيقة .
أما الحديث عن عرقلة تحرير صنعاء فهو ادعاء زائف يفتقر إلى المنطق والواقع .. فمن امتلك القرار العسكري والموارد المالية والدعم السياسي الدولي طوال السنوات الماضية هي القوى اليمنية المتصدرة للشرعية نفسها ، وليس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي .. ولو كانت تلك القوى تمتلك الإرادة الحقيقية لتحرير صنعاء ، لوجهت إمكاناتها نحو المعركة المصيرية ضد الحوثي ، بدلًا من استنزاف جهودها في الصراع مع شعب الجنوب وقضيته الوطنية العادلة .
لقد كشفت السنوات الماضية حقيقة التحالفات المشبوهة التي نشأت بين جماعة الإخوان المسلمين وأذرعها السياسية والعسكرية وبين مليشيات الحوثي ، سواء عبر التفاهمات الميدانية أو التنسيق غير المعلن أو تبادل المصالح .. وأصبح واضحًا أن العداء للمشروع الوطني الجنوبي شكّل نقطة التقاء بين هذه الأطراف أكثر من أي التزام مزعوم باستعادة صنعاء أو إنهاء الانقلاب الحوثي الذي يدّعون محاربته.
إن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي لم يأتِ إلى المشهد السياسي بقرار خارجي أو صفقة عابرة ، بل يمثل إرادة شعب الجنوب العربي وتطلعاته وحقه المشروع في تقرير مصيره واستعادة دولته كاملة السيادة .. ويجب التعامل معه كحقيقة سياسية وعسكرية لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها ، باعتباره شريكًا رئيسيًا في صناعة الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب وحماية الممرات الدولية ، الأمر الذي سيمثل للمجتمع الاقليمي والدولي مقاربة حقيقية لمعالجة جذور الأزمة اليمنية شمالا وجنوبا .
وعليه ، فإن محاولات التشويه والتحريض ضد شعب الجنوب العربي وقواه الحية لن تغير من الحقائق شيئًا ، ولن تحجب حقيقة أن الجنوب العربي كان وما يزال شريكًا صادقًا في مواجهة الحوثي والإرهاب ، بينما يتحمل الآخرون مسؤولية إخفاقاتهم وتحالفاتهم المتقلبة وصراعاتهم التي أوصلت اليمن إلى ما هي عليه اليوم .
وفي هذا السياق ، ينبغي أن يدرك المجتمع الدولي والقوى الفاعلة في الإقليم أن شعب الجنوب العربي لم يعد مستعدًا للقبول بسياسات التجاهل والمماطلة وإعادة إنتاج الأزمات التي عانى منها لعقود طويلة .. فالشعب الذي قدّم آلاف الشهداء والجرحى دفاعًا عن أرضه وهويته وكرامته وقضيته الوطنية العادلة ، لن يقبل بأن تُهدر تضحياته أو تُختزل إرادته الوطنية في حسابات سياسية ضيقة أو تسويات مؤقتة تتجاوز الاعتراف بحقوقه السياسية ، والاستمرار في تجاهل تطلعاته الوطنية ، والقفز على استحقاقاته السياسية باستعادة دولته ، ومحاولة فرض وقائع تتعارض مع إرادته الحرة ، لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتعقيد فرص التسوية والاستقرار وبناء السلام .
ومن هنا، فقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن ينظر إلى الوقائع كما هي، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والروايات المضللة ، وأن يدرك أن استقرار المنطقة وأمنها لا يمكن أن يتحققا عبر إعادة إنتاج القوى التي فشلت في إدارة الحرب والسلام معًا ، بل عبر الاعتراف بالحقائق السياسية والعسكرية القائمة على الأرض ، واحترام إرادة شعب الجنوب العربي وحقوقه المشروعة ، والتعامل معه كشريك أثبت حضوره وقدرته على صناعة الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب ، وباعتباره شريكًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سياسية عادلة أو تسوية مستدامة تسعى إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة .
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار،
والشفاء للجرحى، والحرية للأسرى والمعتقلين،
العزة والنصر لشعب الجنوب العربي.
د. محمد الزعوري