من يستحق ان توجه له تهمة الخيانة؟
السبت - 20 يونيو 2026 - 12:36 ص
صوت العاصمة/ كتب / د. محمود شائف
في البلدان التي تحترم القانون، تُوجَّه تهمة الخيانة العظمى لمن خان مصالح شعبه وفرّط بأرضه وثرواته وسيادته، لا لمن يدافع عن قضية شعبه أو يطالب بحقوقه المشروعة. أما في بلد فاشل ودوله غائبه مثل اليمن، فقد اختلطت السياسة بالقانون إلى درجة باتت معها تهمة الخيانة تُستخدم كسلاح سياسي ضد الخصوم، بينما يظل أصحاب السجل المثقل بالانتهاكات والجرائم التي ارتُكبت بحق أبناء الشمال والجنوب بمنأى عن المساءلة والإفلات من العقاب.
فإذا كان هناك من يستحق المثول أمام العدالة، فهم أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم بالحروب التي شُنّت على الجنوب، وما ترتب عليها من دمار وقتل ونهب وفساد وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ظلت آثارها ماثلة على مدى العقود الثلاثة الماضية، وما زالت ملفاتها مفتوحة بانتظار عدالة تنصف الضحايا وتُحاسب المسؤولين عنها.
من يستحق ان توجه لهم تهمة الخيانه هم أولئك الذين شنوا حرب عام 1994 واستباحوا الجنوب أرضاً وإنساناً، وما أعقب ذلك من سياسات اقصاء وتهميش ونهب لكل ثرواته ومقدراته، وتدمير مؤسسات الدولة الجنوبية، وتحويل الوحدة من مشروع شراكة سياسية إلى مشروع غلبة وهيمنة فُرض بقوة السلاح.
ومن يستحقون المساءلة أيضاً هم المسؤولون عن تسريح مئات الآلاف من العسكريين والمدنيين الجنوبيين من وظائفهم وإقصائهم من مؤسسات الدولة، وتحويل أعداد كبيرة منهم إلى ضحايا للتهميش والحرمان تحت ما عُرف بسياسة «خليك في البيت»، وما ترتب على ذلك من مآسٍ اجتماعية واقتصادية امتدت آثارها إلى مختلف جوانب الحياة في الجنوب، وألقت بمئات الآلاف من الأسر في دائرة الفقر والحرمان والمعاناة.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن الحديث عن المسؤولية الوطنية دون التوقف أمام الكوارث التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من انهيارات عسكرية وخسائر لمناطق واسعة سلمت يدا بيد لصالح الحوثيين، وسط اتهامات متكررة بالفساد وسوء الإدارة والتفريط بالجبهات والإمكانات العسكرية التي كانت تمثل خطوط الدفاع الرئيسية لمن يدعون انهم يخوضون معركة التحرير واستعادة الدوله، ويرفعون شعار قادمون يا صنعاء .
إن العدالة الحقيقية لا تبدأ بتوظيف السلطة أو استغلال القانون في مواجهة الخصوم السياسيين، بل تبدأ بفتح جميع ملفات الحروب والانتهاكات والفساد ونهب الثروات وإهدار المال العام، ومحاسبة كل من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء وأسهموا في صناعة المآسي التي عاشها الجنوب خلال العقود التي أعقبت حرب صيف 1994.
فأولئك الذين أضروا بالشعب، وأفقروا البلاد، وأسهموا في إيصال اليمن إلى ما تعيشه اليوم من انهيار اقتصادي وخدمي وسياسي غير مسبوق، هم الأجدر بالخضوع للتحقيق والمحاسبة، لا أولئك الذين يدافعون عن قضاياهم السياسية ويتمسكون بحقوق شعبهم واستعادة دولتهم الوطنية.
إن تهمة الخيانة العظمى ليست شعاراً سياسياً يُرفع عند الحاجة، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية ينبغي أن تطال كل من تورط في الإضرار بمصالح الشعب وحقوقه ومستقبله، وكل من ارتبط اسمه بالفساد والانتهاكات وسفك الدماء وإهدار مقدرات الوطن.
أما محاولة توظيف هذه التهمة وتحويلها إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية فلن تحقق العدالة، ولن تغير من حقيقة أن الشعوب لا تنسى، وأن ذاكرتها تظل حية مهما تبدلت المواقع وتغيرت موازين القوى. فالتاريخ لا يحاكم الشعارات والخطابات، بل يحاكم الوقائع والأفعال والنتائج.
وعندما يأتي يوم الحساب الحقيقي، فإن معيار الإدانة لن يكون الموقف السياسي لهذا الطرف أو ذاك، بل حجم الضرر الذي ألحقه بالوطن وبالناس وبحقوقهم المشروعة، وحجم المسؤولية التي يتحملها في صناعة المأساة التي ما تزال البلاد تدفع ثمنها حتى اليوم.
د. محمود شائف
19/06/2026