طهران منقسمة.. كيف يهدد "اتفاق إيـ.ـران" وحدة التيار المحافظ؟
السبت - 20 يونيو 2026 - 01:05 ص
صوت العاصمة/ إرم نيوز
كشف الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران عن تصدعات سياسية غير معتادة داخل التيار المحافظ الإيراني، بعدما تحولت مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين من ملف يتعلق بالسياسة الخارجية إلى ساحة سجال داخلي حول مستقبل النفوذ الإيراني وحدود التفاوض مع واشنطن.
ففي الوقت الذي تحاول فيه المؤسسات الرسمية تقديم الاتفاق باعتباره خطوة ضرورية لاحتواء التصعيد العسكري وفتح مسار تفاوضي جديد، تتزايد أصوات معارضة داخل الأوساط المحافظة والمتشددة ترى أن بعض بنود التفاهم قد تنطوي على تنازلات استراتيجية تمس أدوات القوة التي اعتمدت عليها طهران خلال سنوات المواجهة مع الغرب، بحسب "المونتيور".
وتبرز أهمية هذا الجدل في كونه لا يدور بين الإصلاحيين والمحافظين كما جرت العادة في إيران، بل داخل المعسكر المحافظ نفسه، الذي بدا منقسمًا بين تيار براغماتي يدافع عن استخدام الدبلوماسية كوسيلة لإدارة الأزمات، وآخر أيديولوجي ينظر بعين الشك إلى أي تفاهم مع الولايات المتحدة مهما كانت الظروف.
وجاءت هذه الانقسامات إلى الواجهة بعد إعلان تفاصيل مذكرة التفاهم التي تمهد لفترة تفاوض تمتد 60 يومًا بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الملفات العالقة بين البلدين، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأمريكية وآليات التنفيذ والرقابة.
وعلى المستوى الرسمي، سعى مسؤولون إيرانيون إلى التأكيد أن الاتفاق جاء نتيجة مفاوضات طويلة، وأنه يتضمن التزامات أمريكية تتعلق بالأصول الإيرانية المجمدة ومسارات تخفيف العقوبات، إضافة إلى ترتيبات مرتبطة بإنهاء العمليات العسكرية التي استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ربط الاتفاق بما وصفه بسياسة الصمود التي انتهجتها البلاد خلال فترة الحرب، فيما تحدث متحدثون رسميون عن آليات تدريجية لتنفيذ الالتزامات الاقتصادية والسياسية، مؤكدين أن أي خطوات عملية ستخضع لمراحل تفاوض ومتابعة دولية.
كما أبدى عدد من المسؤولين السابقين، من بينهم وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف ورئيس منظمة الطاقة الذرية السابق علي أكبر صالحي، دعمًا للمسار التفاوضي، معتبرين أن الجمع بين العمل الدبلوماسي والضغوط الميدانية أسهما في دفع المفاوضات نحو التوصل إلى تفاهم أولي.
لكن هذه الرواية الرسمية لم تمنع ظهور انتقادات حادة من شخصيات محافظة بارزة ونواب في البرلمان، رأوا أن الاتفاق يثير مخاوف تتعلق بمستقبل أوراق القوة الإيرانية، خاصة ما يرتبط بالدور الاستراتيجي لمضيق هرمز.
ويعد المضيق أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، وقد شكل خلال العقود الماضية إحدى أبرز أدوات الضغط التي تمتلكها إيران في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، حذر عدد من النواب المحافظين من أن أي ترتيبات تؤدي إلى تقليص قدرة طهران على استخدام هذه الورقة مستقبلًا قد تضعف من قدرتها على الردع والتأثير في التوازنات الإقليمية.
النائب أمير حسين ثابتي كان من بين الأصوات المنتقدة، إذ اعتبر أن الاتفاق لا ينسجم بالكامل مع ما يصفه المحافظون بالخطوط الحمراء الإيرانية، محذرًا من أن نتائجه قد لا تحقق التحسن الاقتصادي أو الأمني الذي يتوقعه البعض.
كما ذهب النائب محمود نبويان إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن الصيغة الحالية تتضمن تنازلات أكبر مقارنة بمسودات سابقة جرى تداولها خلال مراحل التفاوض المختلفة، داعيًا إلى مراجعة دقيقة لبنود الاتفاق وتداعياته طويلة المدى.
وفي السياق نفسه، ركزت وسائل إعلام محافظة على ما اعتبرته مخاطر مرتبطة بالتخلي عن أدوات نفوذ استراتيجية مقابل وعود اقتصادية قد تواجه عقبات في التنفيذ، خاصة في ظل التجارب السابقة المتعلقة بالعقوبات والاتفاقات الدولية.
وترى هذه الأوساط أن قوة إيران لا تستند فقط إلى التفاوض، بل إلى عناصر أخرى تشمل الموقع الجغرافي والقدرات العسكرية والنفوذ الإقليمي، وهي عناصر تعتقد أن الحفاظ عليها يمثل الضمانة الأساسية لأي التزام أمريكي مستقبلي.
في المقابل، تبنت بعض المنابر المحافظة موقفًا أكثر حذرًا، معتبرة أن رفض التفاوض بشكل مطلق قد يحمل تكاليف سياسية واقتصادية أكبر من الانخراط فيه، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة عدم المبالغة في التوقعات وانتظار نشر التفاصيل الكاملة للاتفاق قبل إصدار أحكام نهائية.
ويعكس هذا التباين حالة من عدم اليقين داخل النخبة السياسية الإيرانية بشأن المسار الذي يجب أن تتبعه البلاد بعد الحرب، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية المتراكمة والعقوبات المستمرة والتحديات الأمنية التي تواجهها الدولة.
كما أن الدعوات الرسمية المتكررة إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية وعدم الانجرار إلى صراعات داخلية تعكس إدراكًا لوجود حالة من التوتر السياسي المتصاعد حول الاتفاق. وقد ظهرت مؤشرات ذلك من خلال انتقادات علنية طالت بعض الشخصيات المشاركة في المفاوضات، بما في ذلك وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
ومع دخول الاتفاق مرحلة التنفيذ الأولية، تبقى الأسئلة الأساسية دون إجابات نهائية، سواء فيما يتعلق بمستقبل البرنامج النووي الإيراني أم بآليات رفع العقوبات وضمانات الالتزام المتبادل بين الطرفين.
وبينما يرى مؤيدو الاتفاق أنه يفتح نافذة لخفض التوتر وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، يعتبره منتقدوه مجرد هدنة مؤقتة قد تؤجل الخلافات الجوهرية بدلًا من حلها.
وبين هذين الموقفين، يبدو أن الجدل الحقيقي في إيران لم يعد يدور حول العلاقة مع الولايات المتحدة فقط، بل حول كيفية إدارة النفوذ الإيراني نفسه في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد والتحول