مداد العاصمة



الاتحاد السوفيتي… تجربة صنعت جيلاً

الأربعاء - 24 يونيو 2026 - 01:07 ص

الاتحاد السوفيتي… تجربة صنعت جيلاً

صوت العاصمة/ كتب / عبدالكريم أحمد سعيد



في حياة الإنسان محطات تبقى راسخة في الذاكرة مهما تعاقبت السنوات وتغيرت الظروف، لا بطول الزمن الذي قضيناه فيها، بل بعمق الأثر الذي تركته في النفوس.

ومن بين تلك المحطات تبقى رحلتي الدراسية إلى الاتحاد السوفيتي عام 1983 واحدة من أهم التجارب الإنسانية والعلمية التي أثرت في حياتي وأسهمت في تشكيل رؤيتي للعالم. فقد كانت تلك السنوات أكثر من مجرد مرحلة دراسية للحصول على شهادة جامعية، بل كانت مدرسة متكاملة في العلم والثقافة والانضباط والعلاقات الإنسانية، حملت منها قيماً ومعارف وتجارب رافقتني في مختلف مراحل حياتي المهنية والوطنية.


بعد أن أنهيت الدراسة الثانوية العامة وأديت الخدمة العسكرية الإلزامية لمدة عامين في العاصمة الحبيبة عدن، حصلت على منحة دراسية إلى الاتحاد السوفيتي، الدولة التي كانت آنذاك إحدى القوى الكبرى في العالم ووجهة علمية وثقافية يقصدها آلاف الطلاب من مختلف البلدان. وفي مطلع يوليو 1983 غادرت عدن وأنا أحمل أحلام شاب يتطلع إلى المستقبل ويأمل أن يعود إلى وطنه مزوداً بالعلم والمعرفة ليسهم في خدمة شعبه ووطنه.


كانت أولى خطواتي على أرض الاتحاد السوفيتي في العاصمة موسكو، وما زلت أتذكر لحظة الوصول إليها وكأنها حدثت بالأمس. امتزجت رهبة السفر الطويل بمشاعر الفضول والشوق لاكتشاف هذا العالم الجديد، غير أن ما خفف عنا مشقة الرحلة هو ذلك الاستقبال الدافئ الذي حظينا به منذ اللحظة الأولى. فقد استقبلنا الأصدقاء الروس بترحاب صادق واهتمام كبير جعلنا نشعر بأننا بين أهل وأصدقاء لا بين غرباء.


أقمنا أربعة أيام في أحد فنادق موسكو، كانت كافية لتترك في نفوسنا انطباعاً لا يُنسى عن هذه المدينة العريقة. تجولنا في شوارعها الواسعة وساحاتها الشهيرة وتأملنا معالمها التاريخية والحضارية. وكانت الساحة الحمراء والكرملين من أبرز ما شد انتباهنا، حيث شعرنا ونحن نقف أمامهما أننا نلامس صفحات حية من التاريخ. ومنذ تلك الأيام الأولى بدأ يتشكل لدينا انطباع عن شعب يعتز بتاريخه ويمنح العلم والثقافة مكانة رفيعة في حياته.


وبعد استكمال إجراءات توزيع الطلاب على مختلف جمهوريات الاتحاد السوفيتي، كان من نصيبي أن أتوجه إلى مدينة كيشنيوف في جمهورية مولدافيا لدراسة السنة التحضيرية. كانت الرحلة بالقطار طويلة وجميلة، أتاحت لنا مشاهدة اتساع البلاد وتنوع طبيعتها، وعند وصولنا وجدنا ممثلي الجامعة وإدارة السكن الطلابي في استقبالنا، وقد أحاطونا بالرعاية والاهتمام وساعدونا على التأقلم مع حياتنا الجديدة.


في كيشنيوف بدأت رحلتي مع اللغة الروسية، وما زلت أذكر أستاذة اللغة الروسية أوكسانا فيكتوروفنا التي بذلت جهداً كبيراً في تعليمنا ومساعدتنا على إتقان اللغة والتكيف مع البيئة الجديدة. وكانت اللغة الروسية بالنسبة لنا أكثر من مجرد وسيلة للتواصل، بل نافذة واسعة أطللنا من خلالها على ثقافة غنية وحضارة عريقة.


ومن خلال تعلم اللغة تعرفنا على تاريخ الشعب الروسي وأدبه وفكره، وقرأنا أعمال كبار الأدباء مثل بوشكين وغوركي وتولستوي وغيرهم. وكانت مؤلفاتهم تفتح أمامنا آفاقاً واسعة لفهم الإنسان وقيم الحرية والعدالة والكرامة والسلام، وتكشف لنا المعاني العميقة للتضحية من أجل الإنسان والوطن والسعي إلى عالم أكثر أمناً واستقراراً.



وبعد عام حافل بتعلم اللغة الروسية والتأقلم مع الحياة الجديدة، انتقلت إلى مدينة كييف لمواصلة دراستي الجامعية في معهد العلاقات الدولية والقانون الدولي. وهناك بدأت واحدة من أجمل مراحل حياتي العلمية. كانت كييف مدينة تجمع بين الجمال والتاريخ والثقافة، وكانت الجامعة بيئة أكاديمية متميزة تحتضن طلاباً من عشرات الدول والقوميات، الأمر الذي أتاح لنا التعرف على ثقافات وتجارب متنوعة وأسهم في توسيع آفاقنا الفكرية والمعرفية.


وخلال سنوات الدراسة لم نشعر بالغربة كما كنا نتوقع، فقد احتضننا المجتمع السوفيتي بمحبة واحترام، وأصبح لنا أصدقاء من الروس والأوكرانيين ومن مختلف جمهوريات الاتحاد السوفيتي، إضافة إلى زملاء من دول عديدة حول العالم. كنا نعيش وندرس ونتحاور ونسافر معاً ونتبادل الأفكار والخبرات في أجواء يسودها التعاون والتفاهم، وكانت تلك العلاقات الإنسانية الصادقة من أجمل ما خرجنا به من تلك السنوات.


ومن خلال دراسة العلاقات الدولية أدركنا الدور الذي لعبه الاتحاد السوفيتي في صياغة التوازنات الدولية خلال عقود طويلة، وتأثيره في مسارات السياسة العالمية وحركات التحرر الوطني في مختلف أنحاء العالم.


كما تعرفنا على الدور الكبير الذي لعبه شعبه خلال الحرب العالمية الثانية والتضحيات الجسيمة التي قدمها دفاعاً عن وطنه وعن الإنسانية في مواجهة النازية.

وكانت تلك التضحيات حاضرة في الذاكرة الوطنية وفي المتاحف والنصب التذكارية وفي القصص التي يرويها الناس بفخر واعتزاز.


وفي منتصف يونيو 1989 تخرجت من معهد العلاقات الدولية والقانون الدولي في كييف بدرجة امتياز في العلاقات الدولية، بعد سنوات من الجد والاجتهاد والتحصيل العلمي.


ولا يفوتني هنا أن أستذكر بكل التقدير مشرف رسالتي العلمية البروفيسور نيكولاي نيكولايفيتش ريشكوف، الذي كان له دور مهم في توجيهي أكاديمياً خلال مرحلة إعداد الرسالة. وكان يوم التخرج تتويجاً لسنوات من المثابرة والطموح، ولرحلة علمية وإنسانية تركت أثراً عميقاً في مسيرتي اللاحقة.


وعندما عدت إلى وطني عدن، لم أعد أحمل شهادة جامعية فحسب، بل عدت أحمل تجربة إنسانية وثقافية غنية أسهمت في تشكيل شخصيتي ورؤيتي للحياة والعمل.

وعدت أكثر إيماناً بأن العلم والمعرفة هما الطريق الأصدق لخدمة الأوطان وبناء مستقبلها. والتحقت مباشرة بالسلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل الوطني مستفيداً مما اكتسبته من علم وخبرة ومعرفة خلال سنوات الدراسة.


وتعاقبت السنوات والمسؤوليات، وانتقلت بين مواقع العمل الدبلوماسي والسياسي المختلفة، أواصل أداء واجبي الوطني مستلهماً الكثير من الدروس التي تعلمتها خلال تلك الرحلة العلمية والإنسانية. ورغم مرور الزمن، ما زال الحنين يأخذني أحياناً إلى موسكو وسان بطرسبرغ وكيشنيوف وكييف، إلى قاعات الدراسة وأروقة الجامعات ومحطات القطارات وأحاديث الأصدقاء وضحكات الشباب وأحلام المستقبل التي كنا نرسمها آنذاك.


ولا يزال يراودني حلم زيارة روسيا مرة أخرى والعودة إلى الأماكن التي شهدت أجمل سنوات العمر، والالتقاء بمن بقي من الأصدقاء الذين جمعتنا بهم سنوات الدراسة والمحبة والوفاء.


وعندما أنظر إلى تلك المرحلة اليوم أدرك أن الاتحاد السوفيتي لم يكن بالنسبة لي مجرد بلد درست فيه، بل تجربة إنسانية وثقافية وعلمية متكاملة أسهمت في تشكيل وعيي وصقل شخصيتي.

هناك تعلمت قيمة المعرفة وأهمية الانفتاح على الآخرين واحترام التنوع الثقافي والإنساني، واكتسبت صداقات وتجارب ما زالت حية في الذاكرة رغم مرور السنين.
لقد تغيرت الدول وتبدلت الأنظمة وتغيرت خرائط السياسة، لكن بعض الذكريات تبقى أكبر من الزمن.

ولهذا سيبقى الاتحاد السوفيتي بالنسبة لي، ولأبناء جيلي الذين نهلوا من جامعاته ومعاهده، تجربة صنعت جيلاً كاملاً من الكفاءات والكوادر التي عادت إلى أوطانها حاملة العلم والمعرفة والخبرة.

وستظل تلك السنوات من أجمل محطات العمر، لأنها لم تمنحنا شهادات علمية فحسب، بل منحتنا رؤية أوسع للحياة وإيماناً أعمق بقيمة الإنسان والعلم والصداقة بين الشعوب



الأكثر زيارة


تحذير سياسي: حشد حو.ثي ضخم على حدود الجنوب ومخاوف من تطبيق ".

الثلاثاء/23/يونيو/2026 - 02:41 ص

حذرت أوساط سياسية جنوبية من تحرك عسكري خطير ومفاجئ لجماعة الحوثي، تمثل بإعلان الحرب رسمياً وحشد مئات الآلاف من مقاتليها لتفجير الجبهات على حدود الجنوب


الضالع تودّع ثلاثة شهداء من ضحايا حادث الريبي.

الثلاثاء/23/يونيو/2026 - 02:53 م

شيّعت حشود غفيرة، اليوم الثلاثاء، ثلاثة من ضحايا انفجار جسم من مخلفات الحرب في قرية الريبي بمنطقة حجر شمال محافظة الضالع، في حادثة مأساوية خلفت صدمة و


الهيئة السياسية تناقش المستجدات السياسية وتستعرض إنجازات إدا.

الثلاثاء/23/يونيو/2026 - 08:06 م

عقدت الهيئة السياسية في الأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، اليوم الثلاثاء، اجتماعها الدوري برئاسة الأستاذ شكري باعلي القائم ب


الكشف عن تورط قيادتي محافظتي المهرة وحضرموت بعمليات تهريب وع.

الثلاثاء/23/يونيو/2026 - 05:04 م

كشفت مصادر مطلعة متطابقة، عن تورط قيادتي السلطة المحلية في محافظتي المهرة وحضرموت بعمليات تهريب مقننة عبر المنافذ البحرية بالمحافظتين، الأمر الذي يهدد