خبراء أمريكيون: الاتفاق مع إيـ.ـران يمنحها أموالاً و نفوذاً وفرصة لترسيخ نفوذها
الخميس - 25 يونيو 2026 - 12:39 ص
صوت العاصمة/ واشنطن
في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب الأخيرة تلقي بظلالها على المشهد الإقليمي، حذر خبراء أمريكيون من أن مذكرة التفاهم الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران قد لا تمثل نهاية للأزمة بقدر ما تؤسس لمرحلة جديدة من التنافس وإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط، وسط مخاوف من أن تستغل طهران فترة التفاوض المقبلة لترسيخ مكاسبها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وجاءت هذه التحذيرات خلال منتدى سياسات نظمه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بمشاركة ثلاثة من أبرز خبرائه المتخصصين في الشأن الإيراني والملفات الإقليمية، هم ريتشارد نيفيو، المبعوث الأمريكي السابق لشؤون إيران، والسفير الأمريكي السابق دينس روس، والباحثة هولي داغريس، حيث قدموا تقييماً نقدياً لبنود الاتفاق وتداعياته المحتملة على مستقبل المنطقة.
ويرى ريتشارد نيفيو أن المذكرة الجديدة تمثل في جوهرها صفقة تقوم على منح إيران مكاسب اقتصادية وسياسية واسعة مقابل التزامات محدودة ومؤقتة، موضحاً أن الاتفاق يربط بين استمرار فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة الدولية وبين تخفيف القيود المفروضة على الاقتصاد الإيراني وموانئه وصادراته النفطية.
ويشير نيفيو إلى أن الاتفاق لا يتضمن معالجة حقيقية للقضايا النووية الأساسية التي شكلت محور الخلاف بين الجانبين على مدى سنوات، بل يكتفي بتجميد الوضع الراهن وتأجيل الملفات الحساسة إلى مفاوضات لاحقة يفترض أن تنتهي خلال ستين يوماً.
وبحسب الخبير الأمريكي، فإن أخطر ما في الاتفاق يتمثل في حجم التنازلات الاقتصادية التي تحصل عليها إيران بشكل فوري مقارنة بما تقدمه من التزامات، حيث ستتمكن من استعادة جزء كبير من صادراتها النفطية والوصول إلى أموال مجمدة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، في وقت لا تزال فيه الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمستقبل برنامجها النووي دون إجابات واضحة.
ويحذر نيفيو من أن هذه الموارد المالية قد تمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة بناء قدراته العسكرية والصاروخية التي تضررت خلال الحرب، إضافة إلى تمويل حلفائه وشبكات نفوذه في المنطقة، بما في ذلك الجماعات المسلحة المرتبطة به في عدد من الدول العربية.
ويجمع الخبراء المشاركون في المنتدى على أن المذكرة الحالية لا تعالج جوهر الأزمة النووية الإيرانية، بل تؤجلها إلى مرحلة لاحقة قد تكون أكثر تعقيداً.
ويؤكد نيفيو أن الاتفاق لا يحدد مصير مخزون إيران الكبير من اليورانيوم عالي التخصيب، كما لا يتضمن آليات واضحة للرقابة والتحقق أو دوراً فاعلاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما يمثل فارقاً جوهرياً مقارنة بالاتفاق النووي لعام 2015.
ويضيف أن الصياغات الواردة في المذكرة تتحدث فقط عن إمكانية خفض نسبة التخصيب أو معالجة المواد النووية في المستقبل، دون وضع التزامات ملزمة أو جداول زمنية واضحة، الأمر الذي يترك الباب مفتوحاً أمام استمرار المخاوف الغربية بشأن إمكانية استئناف البرنامج النووي بوتيرة متسارعة مستقبلاً.
من جهته، يركز السفير دينس روس على التداعيات الإقليمية للاتفاق، معتبراً أن نتائجه لا تقتصر على العلاقة بين واشنطن وطهران، بل تمتد إلى مجمل منظومة الأمن الإقليمي في الخليج والشرق الأوسط.
ويحذر روس من أن التفاهمات المتعلقة بمضيق هرمز قد تمنح إيران نفوذاً سياسياً إضافياً في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما قد يثير قلقاً واسعاً لدى الدول الخليجية التي تعتمد اقتصاداتها بشكل رئيسي على حرية الملاحة وتدفق صادرات الطاقة.
ويرى أن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة البنية الأمنية الإقليمية، وأثارت تساؤلات داخل العواصم الخليجية حول مدى التزام الولايات المتحدة بحماية حلفائها التقليديين، خاصة بعد مشاهد إخلاء بعض المنشآت العسكرية الأمريكية خلال فترة التصعيد.
ويضيف أن هذه التطورات قد تدفع دول الخليج إلى تسريع برامج التسلح وتطوير شبكات دفاع جوي وصاروخي مشتركة، فضلاً عن البحث عن بدائل استراتيجية تقلل الاعتماد على مضيق هرمز وباب المندب كممرين رئيسيين للتجارة والطاقة.
ويرى روس أن الرهان الأمريكي على إغراء إيران اقتصادياً قد لا يكون كافياً لتغيير سلوكها الإقليمي، موضحاً أن القيادة الإيرانية لا تزال تنظر إلى نفوذها في المنطقة باعتباره جزءاً من عقيدتها السياسية والأمنية.
ويشير إلى أن النظام الإيراني ينظر إلى نفوذه في العراق وسوريا ولبنان واليمن باعتباره خط دفاع متقدماً يحمي مصالحه الاستراتيجية، وبالتالي فإن تدفق الأموال الجديدة قد يعزز هذه السياسات بدلاً من تقليصها.
وبحسب روس، فإن أي اتفاق لا يتضمن أدوات ضغط حقيقية وآليات ردع فعالة قد يتحول إلى فرصة جديدة لطهران لإعادة تنظيم قدراتها واستعادة قوتها دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الخلافية.
أما الباحثة هولي داغريس فترى أن الاتفاق أثار انقساماً واسعاً داخل إيران نفسها، حيث تتباين مواقف النخب السياسية بين من يعتبره انتصاراً دبلوماسياً أجبر الولايات المتحدة على الاعتراف بالدور الإيراني، وبين من يراه تنازلاً يمس المصالح الوطنية ويمنح واشنطن فرصة للتدخل في ملفات حساسة.
وتوضح أن التيار المحافظ المتشدد ينظر بريبة إلى الاتفاق ويعتبره امتداداً لتجارب سابقة لم تحقق لإيران المكاسب الموعودة، بينما يحاول الإصلاحيون تسويقه كإنجاز سياسي واقتصادي يمكن أن يخفف من الضغوط الداخلية المتزايدة.
وتؤكد داغريس أن أحد أبرز أوجه القصور في الاتفاق يتمثل في تجاهله شبه الكامل لملف حقوق الإنسان داخل إيران، رغم تصاعد حملات القمع وتزايد أحكام الإعدام بحق المعارضين والناشطين السياسيين.
وتشير إلى أن كثيراً من الإيرانيين المناهضين للنظام شعروا بخيبة أمل من الموقف الأمريكي، معتبرين أن واشنطن ركزت على الملفات الأمنية والاستراتيجية وأهملت المطالب المتعلقة بالحريات وحقوق الإنسان.
وترى أن ضخ الأموال في الاقتصاد الإيراني لن يؤدي بالضرورة إلى تحسين أوضاع المواطنين، في ظل استمرار الفساد وسوء الإدارة وهيمنة المؤسسات الأمنية على جزء كبير من الموارد الاقتصادية.
ويخلص خبراء معهد واشنطن إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل توازنات القوة خلال السنوات المقبلة. فبينما يساهم الاتفاق في تقليل احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة على المدى القريب، فإنه يترك العديد من الملفات الجوهرية دون حل، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل النفوذ الإقليمي لطهران، وأمن الممرات البحرية الدولية.
ويحذر الخبراء من أن نافذة التفاوض الممتدة لستين يوماً قد تتحول إلى فترة طويلة تستغلها إيران لتعزيز مكاسبها الاقتصادية وإعادة بناء قدراتها العسكرية وترتيب أوضاعها الداخلية بعد الحرب، فيما تواصل القوى الإقليمية مراقبة المشهد بحذر شديد وسط شكوك متزايدة بشأن قدرة الاتفاق على تحقيق استقرار دائم في الشرق الأوسط.
وبين آمال خفض التصعيد ومخاوف إعادة إنتاج الأزمات ذاتها، يبقى مستقبل المنطقة مرهوناً بما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة، وما إذا كانت ستفضي إلى اتفاق شامل يعالج جذور الصراع أم إلى هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار إلى موعد آخر