تُجبر مذكرة إسلام آباد السعودية على اتخاذ خيارات صعبة دون مخرج واضح. فقد انتهت حرب أضرت باقتصادها، وضربت أراضيها، وزعزعت الثقة في رؤية 2030، مؤقتًا، بوقف إطلاق نار يُخفف من وطأة الأزمة دون أن يُحقق راحة حقيقية، ويحذر المحللون من أن الضغط الاقتصادي قد يتفاقم. ترغب السعودية في إنهاء الحرب، وفي الوقت نفسه تخشى تسوية تُعيد الاقتصاد الإيراني إلى وضعه الطبيعي، وتُمكّنها من تمويل حلفائها، وتمنحها النفوذ على مضيق هرمز، وتُعيدها إلى بلاد الشام التي كانت قبضتها عليها قد تراجعت للتو. لذا، تسعى المملكة جاهدةً، حيثما أمكنها، إلى حوارات أمنية إقليمية أوسع، في مواجهة الرسوم المفروضة في المضيق، ومن خلال الدبلوماسية الهادئة التي حافظت عليها طوال الوقت، على أمل الخروج من الاتفاق النهائي بأقل قدر ممكن من الخسائر. تفعل ذلك بنفوذ ضئيل على رئيس يصعب عليها فهمه، وفي الوقت نفسه تتصدى لمطالب متنافسة بشأن القواعد الأمريكية، وأموال إعادة الإعمار، وإسرائيل. ستون يومًا من وقف إطلاق النار الممتد هي ما تُوفره المذكرة؛ فهي لا تُسوي أي شيء في جوهرها. من الحكمة أن تفترض السعودية أن استمرار الحرب في المنطقة لا يزال احتمالًا واردًا.
لا يوجد سيناريو مثالي يواجه السعودية. إن استمرار الحرب من شأنه أن يُنهك اقتصادات دول الخليج، مُهددًا مكانة السعودية في المنطقة ومُعرّضًا وصولها إلى الخليج للخطر. وقد دعا محللون خليجيون إلى إنشاء طرق بديلة حول مضيق هرمز، لكن ذلك قد يستغرق سنوات. وقد لجأت السعودية إلى منفذها على البحر الأحمر، وهو خط أنابيب النفط (خط الشرق والغرب) من حقل بقيق النفطي إلى مدينة ينبع، والذي وصل خلال الأزمة إلى طاقته القصوى تقريبًا، أي ما يُقارب سبعة ملايين برميل يوميًا. وحتى مع بلوغه طاقته القصوى، لا يستطيع خط الأنابيب نقل ما ينقله مضيق هرمز. كما أن طريق البحر الأحمر أبطأ في الوصول إلى المشترين الذين تُقدّرهم السعودية أكثر من غيرهم: الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تستحوذ على الجزء الأكبر من النفط الخام السعودي، بنسبة تُقارب 75% منه، كما أن نقل النفط عبر ينبع ومضيق باب المندب يُضيف أيامًا إلى الرحلة، ويُعرّض الشحنات لنيران الحوثيين على طول الطريق.
هذا ليس سوى جزء من الصورة. السؤال الأهم هو مدى نفوذ إيران الإقليمي، الذي تراجع بشكل حاد خلال العامين الماضيين بفضل الضربات الاسرائيلية. فسقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، والهزيمة التي مُني بها حزب الله، جعلا طهران أضعف في جوارها من أي وقت مضى خلال العقدين الماضيين. وقد يُساهم رفع العقوبات في عكس جزء من هذا الوضع. فإيران، بعد أن استعادت مواردها المالية، ستكون في وضع أفضل لتمويل شركائها في العراق ولبنان واليمن، وإذا لم يتضمن الاتفاق النهائي أي بنود تتعلق بالشبكات الإقليمية، فإن السعودية ستكون الخاسرة، بعد أن تلقت بالفعل نيران الميليشيات الموالية لإيران في العراق خلال هذه الحرب، ومن الحوثيين في اليمن لسنوات قبلها.
لهذا السبب أشار وزير الخارجية السعودي إلى ضرورة أن تتناول المحادثات النووية أيضاً المخاوف الأمنية الأوسع. كما رفض الأمير فيصل أي خطة لفرض رسوم أو ضرائب على السفن العابرة لمضيق هرمز، مُؤكداً أن المضيق كان يعمل بسلاسة قبل الحرب، ولا يحتاج إلى أي ترتيبات جديدة. يُوجَّه هذا الأمر إلى إيران، التي لوّحت بإمكانية فرض رسوم بحرية على العابرين للمضيق، مُبرِّرةً ذلك بأنه قانوني بموجب قانون البحار. وترغب الولايات المتحدة في إبقاء العبور مجانيًا على المدى الطويل، بينما وصف الداعمون الأوروبيون للاتفاق إعادة فتح المضيق دون قيود بأنه أمرٌ لا غنى عنه للاقتصاد العالمي.
وتتعدد اعتراضات السعودية ودول الخليج على الإطار العام، وإذا لم يُعالج النص النهائي هذه المخاوف، فسيُسبب ذلك صعوباتٍ حقيقية، لا سيما إذا برز حزب الله بقوة في لبنان وترسّخت إيران في العراق. من شأن نتيجة كهذه أن تُغلق جزءًا كبيرًا من الفرص التي أتيحت للسعودية بعد حرب لبنان عام 2024 وسقوط الأسد، مما يُعيد لإيران مكانتها في بلاد الشام والمنطقة. أما مدى قدرة المملكة على التأثير على واشنطن فهو أمرٌ آخر. فمع استعداد ترامب لتجاهل الضغوط الإسرائيلية، يرى مراقبو المفاوضات النووية أن نفوذ الرياض على النتيجة ضئيل.
واشنطن بعد الحرب
ثمة مجموعة ثانية من المشاكل تكمن في العلاقة مع الولايات المتحدة. كشفت الحرب عن ضعف الحماية التي توفرها القواعد الأمريكية الكبيرة في الخليج. فقد استهدفت غارات إيرانية ما لا يقل عن اثنتي عشرة منشأة أمريكية، ما أجبر الولايات المتحدة على إعادة النظر في كيفية تمركز قواتها في المنطقة. وتسببت هذه الغارات في أضرار بمليارات الدولارات، حيث وصف أحد التقييمات العديد من القواعد بأنها "غير صالحة للسكن تقريبًا"، ووصلت تكلفة إصلاح مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين وحدها إلى مئتي مليون دولار.
من وجهة نظر السعودية، لا تكمن المشكلة في رغبة دول الخليج في إزالة هذه القواعد. فدول الخليج لا تزال ترغب في وجود الأمريكيين، كركيزة أمنية ووسيلة للحفاظ على علاقة طيبة مع الرئيس ترامب. تكمن المشكلة في الجدل الدائر حاليًا داخل الولايات المتحدة حول جدوى الإبقاء على هذه المنشآت الكبيرة المكشوفة، لا سيما أنها تتعرض لنيران الصواريخ والطائرات المسيرة، وتتحول إلى عبء في زمن الحرب. وقد أغفل طلب ميزانية البنتاغون لعام 2027 تخصيص أموال لإصلاح القواعد المتضررة، وطرح المراقب المالي بالوكالة فكرة مساهمة الدول المضيفة في التكاليف، مع اعترافه بعدم قدرته على تحديد الموقف المستقبلي. بالنسبة لحكومات الخليج، يُعيد هذا الأمر إحياء القلق الذي أعقب الاتفاق النووي لعام 2015: الخوف من أن واشنطن تعتزم تقليص وجودها وإتاحة المجال لإيران للتوسع.
ويُضاف إلى القلق الأمني قلقٌ مالي. ففي مقابلة بتاريخ 15 يونيو/حزيران 2026، أشار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى أن دول الخليج ستُضغط لتمويل إعادة إعمار إيران. وتُلزم المذكرة واشنطن بخطة تمنح إيران إمكانية الوصول إلى صندوق بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار لإعادة الإعمار والتنمية، على أن تُحدد التفاصيل في غضون 60 يومًا. وقال فانس إن "تحالف ساحل الخليج" - أي مجلس التعاون الخليجي - سيتكفل بالتمويل إذا التزمت إيران بالاتفاق. ونفى ترامب وجود أي أموال أمريكية في الأمر، ووصف المسؤولون الآلية بأنها استثمار خاص وليست تعويضات. أفاد مصدر إيراني بأن مطلب طهران الأولي بلغ 400 مليار دولار، واصفًا النتيجة بـ"صندوق إعادة الإعمار والتنمية"، وهو مصطلح أبقى على غموض تفاصيل المبلغ حفاظًا على ماء وجه الولايات المتحدة. بالنسبة للسعودية، يُعدّ دفع تكاليف إعادة بناء خصم في وقت تعاني فيه من ضائقة مالية أمرًا غير مرحب به. وقد أشار محللون خليجيون بالفعل إلى صعوبة تسويق مثل هذه المساهمة داخليًا، بعد أشهر من الهجمات الإيرانية.
ويكمن وراء كل ذلك صعوبة عدم معرفة ما سيقرره ترامب لاحقًا، سواء بشأن القواعد العسكرية، أو الصندوق، أو شكل الاتفاق النهائي. هامش المناورة المتاح للمملكة في منطقة شهدت هذا التغيير الجذري ضيق، وهو ما يفسر جزئيًا سبب إبقاء المملكة وجيرانها قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران وسعيهم لإيجاد ترتيب عملي لتجاوز المرحلة الراهنة.
منطقة شهدت هذا التغيير الجذري ضيق، وهو ما يفسر جزئيًا سبب إبقاء المملكة وجيرانها قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران وسعيهم لإيجاد ترتيب عملي لتجاوز المرحلة الراهنة.
ضغوط لتطبيع العلاقات مع إسرائيل
هناك أيضًا ضغط أمريكي متجدد لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل. وقد صرّح ترامب علنًا بضرورة إقامة علاقات بين البلدين بمجرد انتهاء الحرب مع إيران.
من المركز العربي واشنطن دي سي