مليونية 7 يوليو: أصوات ترفض الاحتلال والوصاية وتطالب بتصويب مسار التحرير الناجز
الثلاثاء - 07 يوليو 2026 - 12:30 ص
صوت العاصمة/ كتب / د. أمين العلياني
في مشهدية سياسية تتوشح بوشاح التاريخ، وتستلهم من معين الذاكرة الجمعية دروسها وعبرها، يطلّ علينا السابع من يوليو حاملًا في طياته اسمًا لأقبح احتلال غاشم طال الجنوب أرضًا وإنسانًا وجغرافيا. لكن الجنوب، بنضال وصمود شعبه وقوة إرادته، استطاع أن يحوّل الاسم الاحتلالي إلى إرث نضالي متجذر في وجدان الشعب؛ ذلك الشعب الذي أبت إرادته إلا أن تكون عصية على الانكسار، وأبت عزيمته إلا أن تمضي في درب التحرير مهما اشتدت العواصف وتكالبت المحن. لتأتي مليونية الغد محطة فاصلة في مسيرة الكفاح الوطني، ومنعطفًا تاريخيًّا تتجلى فيه حنكة القيادة ووعي الجماهير، حيث يخرج أبناء الجنوب في عدن الباسلة وحضرموت العصية عناوين للصمود، ليقولوا كلمتهم المدوية في وجه كل المشاريع المشبوهة التي تحاول النيل من حلمهم المشروع في استعادة دولتهم المسلوبة.
إن هذه المليونية المباركة لا تقوم في فراغ سياسي، ولا تنطلق من عبثية احتجاجية عابرة، بل هي تتويج لمرحلة نضالية طويلة خاضها الشعب الجنوبي بكل أدواته السلمية والحضارية. وهي في الوقت ذاته رد فعل شعبي عارم على حالة الاستهداف الممنهج الذي يتعرض له المشروع الوطني التحرري بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي؛ ذلك الكيان السياسي الذي تشكل من رحم المعاناة، وصيغ من لهيب التضحيات ليكون وعاءً حاملًا لتطلعات شعب بأكمله. غير أن ثمة أيادي إقليمية عبثية تسعى جاهدة إلى تقويض هذا الصرح الوطني وتفتيت وحدته الداخلية، عبر استراتيجية متعددة الأبعاد تجمع بين الوصاية السياسية المقيتة ومحاولات الإقصاء المتعمد، وبين التفتيت الاجتماعي المدعوم بأدوات إعلامية ودبلوماسية ومالية، وبين تفريخ الكيانات الوهمية واستنساخ المجالس الهزيلة التي لا تملك من الشرعية إلا ما تمنحه إياها قوى الهيمنة والوصاية.
ولعل المتأمل في المشهد السياسي الراهن ليدرك بما لا يدع مجالًا للشك أن ما يتعرض له الجنوب من مؤامرات لم يعد مقتصرًا على أدوات الاحتلال اليمني التقليدية التي مارست سياسات القهر والتهميش والهيمنة والإلغاء طيلة عقود من الزمن، بل إن ثمة تطورًا خطيرًا في طبيعة التحديات التي تواجه قضية شعب الجنوب. حيث باتت هذه الأدوات نفسها تخضع لتوجيهات وتحركات إقليمية لا تخفى على مراقب، تمارس أبشع صور العبث السياسي والابتزاز المادي والمعنوي، في محاولة يائسة لإجهاض مشروع التحرير وإخماد جذوة الحرية المتأججة في صدور الملايين. وكأن هذه القوى الإقليمية لم تكتفِ بتاريخها المثقل بالتدخلات في الشأن الجنوبي، بل أرادت أن تكتب فصلًا جديدًا من فصول الوصاية التي تتنافى مع أبسط مبادئ السيادة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها.
إن محاولات إقصاء قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، وممارسة كل وسائل الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي لمحاربة المشروع الذي يحمله، والمساعي الحثيثة لتفكيك القوات المسلحة والأمنية الجنوبية التي تشكل درعًا واقية للمشروع الوطني، كلها مؤشرات تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إليه قوى الوصاية يتجاوز بكثير مجرد الضغط السياسي الظرفي، ليطال جوهر الوجود الجنوبي وهويته الوطنية المستقلة. فهم يريدون جنوبًا ممزقًا بلا قيادة موحدة، وبلا قوات مسلحة تحمي إرادة شعبه، وبلا كيان سياسي يعبر عن تطلعاته، تمامًا كما كانت الحال بعد احتلال صيف 1994 المشؤوم الذي نحتفي بذكرى مقاومته هذه الأيام، وكما تكرس الرفض الشعبي له في السابع من يوليو عام 2007م حين انطلقت حركات النضال السلمي لتؤكد أن روح المقاومة لا يمكن وأدها مهما طال الزمن وتعاقبت المحن.
إن شعب الجنوب الذي خبر دهاليز السياسة، وأدرك بحسه الثوري الفطري طبيعة التحديات التي تواجه قضيته العادلة، يخرج اليوم في هذه المليونية التاريخية ليوجه رسالة مزلزلة إلى المجتمع الدولي بأسره، مفادها أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن الحقوق الوطنية لا تسقط بالتقادم. مطالبًا إياه بالقيام بواجباته الأخلاقية والقانونية تجاه قضية شعب الجنوب، وأن يمارس ضغوطًا حقيقية لتصحيح مسار التسوية السياسية بما يضمن احترام إرادة الشعب الجنوبي وتطلعاته المشروعة. محذرًا في الوقت ذاته من أن استمرار سياسات العبث والوصاية والتدخلات الإقليمية في الشأن الجنوبي لا يهدد فقط مستقبل قضية شعب عادلة، بل يهدد بشكل مباشر أمن واستقرار المنطقة برمتها، ويقوض جهود السلام الهشة أصلًا. فالجنوبيون الذين اختاروا النضال السلمي طريقًا، والكفاح السياسي منهجًا، لن يسمحوا لأي قوة كانت أن تصادر حلمهم أو تفرض عليهم وصاية من أي نوع كانت. فهم اليوم أكثر وحدة والتفافًا حول قيادتهم وكيانهم السياسي التحرري، وأكثر وعيًا بمخططات النيل من نسيجهم الاجتماعي المتماسك، الذي أثبت عبر التاريخ أنه عصي على الاختراق، ومحصن ضد كل مشاريع التفتيت والتمزيق.
إن مليونية 7 يوليو ليست مجرد فعالية احتجاجية عابرة في تقويم النضال الجنوبي، بل هي تتويج لمسيرة طويلة من التضحيات الجسام. وهي في الوقت نفسه إعلان واضح لا لبس فيه عن دخول قضية شعب الجنوب مرحلة جديدة من الوعي الجمعي المتقدم، حيث يدرك أبناء الجنوب أن معركتهم اليوم لا تقتصر على مواجهة الاحتلال بأدواته التقليدية، بل تمتد لتشمل التصدي للوصاية الإقليمية التي تحاول أن تلبس ثوب الوسيط تارة، وثوب الوصي تارة أخرى، في مناورة سياسية مكشوفة لن تنطلي على جماهير يملؤها إيمان راسخ بعدالة قضيتها. تلك القضية التي ستظل منارة تهتدي بها الأجيال، حتى يتحقق النصر المؤزر، وتستعيد الدولة الجنوبية كاملة السيادة، ليكون السابع من يوليو يومًا للتحرير الناجز بدلًا من أن يكون ذكرى للاحتلال البغيض.