كيف يعيد المجلس الانتقالي صياغة أولوياته السياسية تجاه السعودية؟
الثلاثاء - 07 يوليو 2026 - 11:07 م
صوت العاصمة/ تقرير/ مريم بارحمة
في مشهد حمل أبعادًا سياسية تتجاوز مجرد إحياء مناسبة تاريخية، شهدت عدد من محافظات الجنوب، يوم الثلاثاء 7 يوليو 2026م، مليونيات جماهيرية وسياسية في العاصمة عدن ومحافظتي حضرموت والمهرة، تحت شعار "التصعيد ضد الوصاية السعودية والاحتلال"، تزامنًا مع الذكرى السنوية لأحداث السابع من يوليو 1994م. وجاءت هذه الفعاليات في ظل تطورات سياسية وأمنية متسارعة تشهدها الساحة الجنوبية، حيث سعى المجلس الانتقالي الجنوبي العربي من خلالها إلى إعادة طرح رؤيته بشأن مستقبل قضية الجنوب، مستندا إلى رمزية المناسبة لتوجيه رسائل سياسية إلى الداخل والخارج.
وبالتزامن مع تلك المليونيات، أصدر المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بيانًا سياسيًا مطولًا تناول فيه قراءته للأوضاع الراهنة، وربط بين أحداث عام 1994م والتطورات الحالية، مؤكدا إن الجنوب يمر بمرحلة مفصلية تستوجب إعادة ترتيب الأولويات وتعزيز الاصطفاف الداخلي، مع توجيه انتقادات حادة للدور السعودي ورفض التفاهمات السياسية التي يرى شعب الجنوب أنها لا تراعي تطلعاتهم.
ويرى محللون سياسيون أن البيان يعكس، من حيث مضمونه ولغته السياسية، محاولة لإعادة صياغة خطاب المجلس في مرحلة تشهد تغيرات إقليمية متسارعة، إذ لم يقتصر على استحضار الذاكرة التاريخية، بل سعى إلى توظيفها في تفسير الواقع السياسي الراهن وتقديم رؤية متكاملة للمرحلة المقبلة.
_ السابع من يوليو.. استدعاء الذاكرة لإعادة تعريف الحاضر
واستهل المجلس بيانه باستحضار أحداث السابع من يوليو 1994م، التي وصفها بأنها مثلت نهاية مشروع الوحدة السلمية وبداية مرحلة جديدة في تاريخ الجنوب.
ويؤكد مراقبون أن تلك الأحداث لم تكن مجرد محطة عسكرية، وإنما شكلت تحولًا سياسيًا عميقًا انعكست آثاره على مختلف المستويات، وهو ما يجعل شعب الجنوب يعتبر هذه الذكرى مناسبة لإعادة التأكيد على استمرار قضية الجنوب.
وفي المقابل، يربط البيان بين تلك المرحلة التاريخية وبين انطلاق مشروع التصالح والتسامح والحراك الجنوبي، معتبرًا أن هذه المسارات أسهمت، في إعادة تشكيل الهوية السياسية الجنوبية، وصولًا إلى تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي باعتباره الحامل السياسي والممثل الشرعي لقضية الجنوب وبتفويض من شعب الجنوب.
_ تصعيد سياسي تجاه السعودية وتحول في طبيعة الخطاب
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في البيان مستوى التصعيد في الخطاب تجاه المملكة العربية السعودية، إذ يوضح المجلس ان الرياض يفرض "الوصاية" على الجنوب، ويحملها مسؤولية عدد من التطورات السياسية والأمنية والخدمية التي تشهدها محافظات الجنوب.
ويرى متابعون للشان الجنوبي ان هذا الطرح يعكس تحولًا في طبيعة الخطاب السياسي للمجلس مقارنة بمراحل سابقة، وأشاروا إلى أن العلاقة بين الطرفين تمر بمرحلة تتسم بقدر أكبر من التوتر السياسي، وفقًا لما ورد في البيان.
كما يربط المجلس بين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة وبين السياسات التي ينتقدها، معتبرًا أن تدهور الخدمات الأساسية، بما فيها الكهرباء والمياه والوقود، يمثل أحد أبرز التحديات التي يواجهها المواطنون في الجنوب.
_ استعادة الدولة.. الرسالة السياسية الأبرز في البيان
وفي الجانب السياسي، أعاد البيان التأكيد على تمسك المجلس بمشروع استعادة الدولة الجنوبية، مشيرًا إلى أن هذا الخيار يمثل، الأساس لأي تسوية مستقبلية، كما أكد رفضه لأي ترتيبات سياسية أو تفاهمات إقليمية تتجاوز مطالب الجنوبيين أو لا تتضمن معالجة واضحة لقضية شعب الجنوب.
ويبرز في هذا السياق رفض المجلس ل"خارطة الطريق" الناتجة عن التفاهمات بين السعودية وجماعة الحوثيين، مشيرا إلى أنها لا تلبي تطلعات شعب الجنوب، ومؤكدًا تمسكه بالإعلان السياسي والإعلان الدستوري الصادرين عنه باعتبارهما المرجعية التي يستند إليها للحل.
_ الأمن والحوار الداخلي في صدارة الأولويات
وفي ملف الأمن، شدد البيان على استمرار دعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الجنوبية، معتبرًا أنها تمثل، الضامن الأساسي لحماية الجنوب ومكافحة التنظيمات المتطرفة. وفي المقابل، وجه المجلس اتهامات إلى الجهات المسؤولية عن تدهور الوضع الأمني، وهي اتهامات وردت في البيان.
كما دعا المجلس إلى تعزيز الاصطفاف الوطني والحوار الجنوبي–الجنوبي، مؤكدًا أهمية توحيد المواقف بين مختلف القوى الجنوبية، مع التشديد على أن أي حوار، ينبغي أن يتم بعيدًا عن الضغوط أو الإملاءات الخارجية.
_ رسائل حقوقية ودعوات لتدخل المجتمع الدولي
ولم يغفل البيان الجانب الحقوقي، حيث دعا إلى الإفراج عن المعتقلين الذين تعرضوا للاعتقال على خلفية مواقفهم السياسية أو الإعلامية، كما طالب المنظمات الحقوقية المحلية والدولية برصد الانتهاكات، ولفت الانتباه إلى قضية القيادي معين المقرحي باعتبارها من القضايا التي تستوجب المتابعة.
وفي بعده الخارجي، وجّه البيان رسائل مباشرة إلى المجتمع الدولي، مطالبًا بدور أكبر في التعامل مع التطورات، التي يشهدها الجنوب، وداعيًا إلى مقاربة سياسية تأخذ في الاعتبار، خصوصية قضية الجنوب ومتطلبات الاستقرار في المنطقة.
_ إعادة التموضع السياسي في ظل المتغيرات الإقليمية
ويشير مضمون البيان إلى أن المجلس يسعى إلى إعادة تقديم نفسه بوصفه طرفًا رئيسيًا في أي ترتيبات سياسية مستقبلية باعتباره الممثل الشرعي والرسمي لقضية الجنوب، ومستفيدًا من رمزية السابع من يوليو لإعادة تأكيد أولوياته السياسية، وربط الملفات الأمنية والخدمية والاقتصادية برؤيته للحل السياسي.
_ قراءة في الدلالات السياسية للبيان
ويرى متابعون للشان الجنوبي انه من الناحية التحليلية، يمكن قراءة البيان باعتباره يعكس ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولها: إعادة ترسيخ السردية التاريخية لقضية الجنوب وربطها بالواقع الحالي، وثانيها: تصعيد الخطاب تجاه السعودية والتفاهمات الإقليمية، وثالثها: إعادة التأكيد على مشروع استعادة الدولة الجنوبية باعتباره، الخيار السياسي الذي يدافع عنه.
_ بين استحضار التاريخ ورسم ملامح المرحلة المقبلة
ويسعى البيان إلى مخاطبة جمهورين في آن واحد؛ الجمهور الداخلي عبر الدعوة إلى الاصطفاف وتعزيز الالتفاف حول مشروعه السياسي، والجمهور الخارجي عبر توجيه رسائل إلى المجتمع الدولي بشأن رؤيته لمستقبل الجنوب وتقييمه للتطورات الجارية.
ويشير محللون سياسيون إلى أن البيان يعكس مرحلة جديدة في خطاب المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، من خلال الجمع بين استحضار الرمزية التاريخية، وطرح مواقف سياسية واضحة من الملفات الإقليمية والداخلية، وتقديم قراءة شاملة للأوضاع الأمنية والخدمية والاقتصادية.
في حين يؤكد نشطاء جنوبيين أن المجلس يرى في ذكرى السابع من يوليو مناسبة لإعادة عرض أولوياته السياسية وتفسيره للتطورات الراهنة، في وقت لا تزال فيه قضية الجنوب واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد الجنوبي