تقرير يرصد التقديرات الأولية للكلفة البشرية والمادية جراء الأعمال الإرهـ.ـابية في محافظات الجنوب العربي (2010–2025)
الأربعاء - 15 يوليو 2026 - 12:24 ص
صوت العاصمة/ رصد / د. صبري عفيف العلوي
شهدت محافظات الجنوب العربي، خلال الفترة الممتدة من عام 2010 حتى عام 2025، تصاعداً ملحوظاً في نشاط الجماعات والتنظيمات الإرهابية، التي تعددت أساليبها وتنوعت أدواتها واستهدفت أهدافاً متباينة. وتشير التقديرات إلى أن عدد العمليات الإرهابية المسجلة خلال هذه الفترة بلغ ما لا يقل عن 760 عملية، توزعت بين عمليات اغتيال، وتفجيرات بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة، وهجمات بطائرات مُسيَّرة، وزراعة الألغام والعبوات الناسفة، ومواجهات مسلحة، وعمليات اختطاف.
تؤشر طبيعة هذه العمليات إلى تحول الإرهاب في محافظات الجنوب من أعمال عنف متفرقة إلى نمط منظَّم، هَدَفَ إلى تقويض الأمن والاستقرار، وإضعاف المؤسسات العسكرية والأمنية، وتعطيل مسار التنمية. وقد ضمت هذه العمليات نحو 232 عملية اغتيال طالت شخصيات أمنية وعسكرية وسياسية واجتماعية، إضافة إلى 65 هجوماً بالسيارات المفخخة التي شكلت أحد أكثر أساليب الإرهاب تدميراً لما تسببه من خسائر بشرية ومادية واسعة النطاق. وشهدت الفترة نفسها نحو 48 عملية باستخدام الأحزمة الناسفة والتفجيرات الانتحارية، و38 هجوماً بواسطة الطائرات المُسيَّرة، فضلاً عن 244 عملية زراعة ألغام وعبوات ناسفة تسببت في سقوط ضحايا أثناء العمليات وبعد انتهائها، إلى جانب 101 مواجهة مسلحة وحرب مباشرة و15 حالة اختطاف.
أَسْفَرَت هذه العمليات عن كلفة بشرية فادحة؛ إذ تشير التقديرات التحفظية إلى سقوط ما لا يقل عن 3,600 ضحية مباشرة بين قتيل وجريح، من بينهم نحو 1,000 حالة إعاقة دائمة نتيجة التفجيرات والألغام والعبوات الناسفة والهجمات المسلحة. وقد تجاوز الأثر البشري المباشر حدود الضحايا الأفراد ليُشكِّل أزمة إنسانية ممتدة، طالت آلاف الأسر والمجتمعات المحلية، إذ أدى مقتل الآلاف إلى فقدان العديد من الأسر لمعيليها ومصادر دخلها، بينما واجهت أسر المصابين أعباءً إضافية مرتبطة بتكاليف العلاج والرعاية المستمرة. وتشير التقديرات إلى أن عدد المتأثرين من أسر الضحايا يتراوح بين 30,000 و50,000 شخص، تعرضوا لتغيرات قاسية في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.
خلَّفت العمليات الإرهابية آثاراً نفسية واجتماعية بالغة في المجتمع الجنوبي؛ إذ أدى استمرار العنف والتهديدات الأمنية إلى انتشار مشاعر الخوف والقلق، وفقدان الإحساس بالأمان، وتشير التقديرات إلى تعرُّض ما لا يقل عن 100,000 شخص بصورة غير مباشرة لآثار نفسية واجتماعية، شملت الصدمات النفسية، واضطرابات القلق، والخوف المستمر، وحالات النزوح، وتأثر الأطفال والشباب الذين عاشوا في بيئات مشبعة بالعنف والتطرف المسلح.
شكَّلت تداعيات الإرهاب والصراع وعدم الاستقرار الأمني والاقتصادي، خلال الفترة الممتدة حتى عام 2026، عاملاً إضافياً في تعميق أزمة البطالة بمحافظات الجنوب، فقد أدى تجميد عمليات التوظيف الحكومي لفترات طويلة، وتراجع النشاط الاقتصادي والاستثماري، إلى تضييق فرص العمل أمام آلاف الشباب والخريجين، وتراكم أعداد الباحثين عن وظائف، وارتفاع معدلات البطالة، خصوصاً بين فئة الشباب الذين يمثِّلون النسبة الأكبر من القوة العاملة. وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 200 ألف شخص من أبناء محافظات الجنوب مُقيَّدين في سجلات الخدمة المدنية، بانتظار فرص التوظيف أو التسوية الوظيفية، نتيجة توقف التوظيف الحكومي منذ عام 2011 واستمرار الاختلالات الإدارية والمالية التي أثَّرت في قدرة المؤسسات العامة على استيعاب القوى العاملة الجديدة، وقد تحولت سنوات التعليم والتأهيل لهذه الشريحة إلى طاقات بشرية معطَّلة لم تُستثمَر في التنمية. كما أدى ضعف الاستثمار، وغياب المشاريع التنموية، وتراجع القطاع الخاص، إلى فقدان آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، مما جعل البطالة واحدة من أبرز التكاليف غير المرئية للأزمة الأمنية والإرهاب، إذ لا تنحصر في أعداد العاطلين فحسب، بل تمتد إلى فقدان سنوات من الإنتاج، وتعطيل الطاقات البشرية، وإهدار فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
اقتصادياً، لم تقتصر تداعيات الإرهاب على الخسائر البشرية، بل أحدثت أضراراً واسعة في الممتلكات والبنية الاقتصادية والخدمية، فقد تضرَّر ما لا يقل عن 783 منشأة وممتلكاً عاماً وخاصاً، شملت 330 سيارة ومركبة تعرَّضت للتدمير أو الضرر، و261 محلاً تجارياً ومنشأة اقتصادية خاصة، و170 مبنى ومنشأة حكومية وخدمية، إضافة إلى 13 بنكاً ومصرفاً ومؤسسة مالية وتجارية تعرَّضت للاستهداف أو التخريب. وتُقدَّر الخسائر المادية المباشرة الناتجة عن هذه الأضرار، بما في ذلك تكاليف الإصلاح وإعادة الإعمار واستعادة الخدمات، بما لا يقل عن مليار دولار أمريكي خلال الفترة المدروسة، وتشمل هذه الخسائر تدمير المنشآت، وتعطيل الخدمات، وفقدان الممتلكات الخاصة والعامة، إضافة إلى النفقات الأمنية والعسكرية المرتبطة بمواجهة الجماعات الإرهابية.
كانت الخسائر الاقتصادية غير المباشرة أكثر اتساعاً وأعمق أثراً، إذ تسبَّب الإرهاب في إضعاف البيئة الاستثمارية، وتراجع النشاط السياحي، وتعطيل مشاريع التنمية، وهروب رؤوس الأموال، وارتفاع تكلفة ممارسة الأعمال في العديد من المحافظات الجنوبية، كما أدى عدم الاستقرار الأمني إلى توجيه جزء كبير من الموارد المالية والبشرية نحو الأمن ومكافحة الإرهاب على حساب الاستثمار في البنية التحتية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتشير التقديرات إلى أن الخسائر غير المباشرة المرتبطة بتراجع السياحة والاستثمار والتنمية لا تقل عن 5 مليارات دولار أمريكي، نتيجة انخفاض تدفقات الاستثمار، وتعطُّل المشاريع الاقتصادية، وتراجع الحركة التجارية والسياحية، خصوصاً في المحافظات ذات المقومات الاقتصادية والسياحية المهمة مثل عدن وحضرموت وسقطرى.
بناءً على هذه المؤشرات، فإن الكلفة الشاملة للإرهاب في محافظات الجنوب العربي خلال الفترة المدروسة تتجاوز بكثير عدد العمليات والهجمات المسجَّلة، إذ تمثل خسارة مركَّبة شملت الالف من الضحايا بين قتيل وجريح ومعاق، وعشرات الآلاف من الأسر المتضررة، ومئات الآلاف ممن تأثروا نفسياً واجتماعياً، إضافة إلى خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة تتجاوز عشرات المليارات دولار أمريكي على أقل تقدير.
تؤكد هذه التقديرات أن الإرهاب في محافظات الجنوب العربي لم يكن مجرد تهديد أمني محدود، بل كان عاملاً استنزافياً متعدد الأبعاد، أثَّر في رأس المال البشري، وأضعف قدرة المؤسسات، وأخر مسار التنمية، وترك آثاراً طويلة المدى على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ومن ثم، فإن تقييم جهود مواجهة الإرهاب لا ينبغي أن يقتصر على عدد العمليات التي أُحبطت أو الجماعات التي جرى ملاحقتها، بل يجب أن يشمل حجم الخسائر التي تكبَّدها المجتمع، والموارد التي استُنزِفت، والفرص التنموية التي ضاعت خلال خمسة عشر عاماً من المواجهة. وعليه، فإن معالجة آثار الإرهاب في محافظات الجنوب لا يمكن أن تقتصر على الجانب الأمني، بل تتطلب استراتيجية متكاملة تشمل إعادة تنشيط سوق العمل، واستيعاب القوى البشرية المعطَّلة، وخلق فرص اقتصادية مستدامة، إذ تمثل التنمية وفرص العمل أحد أهم أدوات الوقاية طويلة الأمد من التطرف والعنف وعدم الاستقرار..
صبري العلوي