كفى من التضليل : الشعب الجنوبي يريد الحقائق القانونية و ليس الأوهام السياسية
الجمعة - 17 يوليو 2026 - 12:13 ص
صوت العاصمة/ بقلم / توفيق جوزليت
إعلان دستور الدولة الجنوبية لم يحظَ بأي اعتراف دولي ولم يُغيّر المركز القانوني الدولي للجنوب
أولاً: الدستور ليس وسيلة لاكتساب الشخصية الدولية :في الفقه والقضاء الدوليين، يعد الدستور شأناً داخلياً ينظم شكل السلطة واختصاصاتها وحقوق المواطنين، لكنه لا يمنح الكيان صفة الدولة في مواجهة المجتمع الدولي. فالدولة في القانون الدولي لا تقوم بمجرد إعلان دستور، وإنما تقوم بتوافر عناصر الدولة وممارسة سلطة فعلية، ثم تأتي مسألة الاعتراف الدولي باعتبارها عاملاً بالغ الأهمية في تمكين الدولة الجديدة من ممارسة حقوقها الدولية والانضمام إلى المنظمات الدولية وإبرام المعاهدات.
ثانياً: غياب الاعتراف الدولي : حتى الآن، لم تصدر الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو أي دولة إعلاناً رسمياً يفيد الاعتراف بقيام دولة جنوبية مستقلة استناداً إلى مشروع الدستور المعلن. كما لم يتم قبول الجنوب عضواً في الأمم المتحدة، ولم يكتسب الشخصية القانونية الدولية المستقلة، ولم تُنشأ علاقات دبلوماسية بينه وبين الدول بوصفه دولة ذات سيادة. وعليه، فإن الإعلان لم ينتج أثراً قانونياً دولياً يتمثل في الاعتراف بالدولة أو بدستورها.
ثالثاً: استمرار الإطار القانوني الدولي الخاص باليمن : لا يزال المجتمع الدولي يتعامل مع اليمن، من الناحية القانونية، بوصفه دولة واحدة، استناداً إلى قرارات مجلس الأمن والإطار الأممي المنظم للعملية السياسية.
وهذا يعني أن أي إعلان دستوري يصدر عن أحد الفاعلين السياسيين داخل اليمن لا يغيّر، بذاته، المركز القانوني الدولي القائم، ما لم يحدث تحول سياسي وقانوني يحظى باعتراف دولي.
رابعاً: الفرق بين الاعتراف بالمجلس والاعتراف بالدولة :من الضروري التمييز بين أمرين مختلفين:
* الاعتراف بالمجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره طرفاً سياسياً مؤثراً في العملية السياسية.
* الاعتراف بالدولة الجنوبية باعتبارها شخصاً من أشخاص القانون الدولي.
فالاعتراف بالأول لا يؤدي تلقائياً إلى الاعتراف بالثاني، كما أن المشاركة في المفاوضات أو توقيع الاتفاقات السياسية لا تعني الاعتراف بقيام دولة مستقلة.
خامساً: الدرس المستفاد :تكشف هذه الحالة أن بناء المؤسسات الداخلية، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق الاعتراف الدولي.
فالاعتراف بالدول يخضع لتفاعل معقد بين قواعد القانون الدولي، والشرعية السياسية، وحق تقرير المصير، وفعالية المؤسسات، ومواقف القوى الإقليمية والدولية.
ولهذا فإن أي مشروع وطني يسعى إلى استعادة الدولة يحتاج، إلى جانب بناء مؤسساته، إلى استراتيجية قانونية ودبلوماسية متكاملة تستهدف كسب الاعتراف الدولي بصورة تدريجية.
إن القراءة الموضوعية للقانون الدولي تقود إلى نتيجة واضحة مفادها أن إعلان مشروع دستور الدولة الجنوبية لم يترتب عليه، حتى الآن، أي اعتراف دولي رسمي بالدولة أو بالدستور نفسه. ويظل الإعلان وثيقة سياسية ودستورية ذات أهمية داخلية، لكنه لا ينشئ بمفرده مركزاً قانونياً دولياً جديداً.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان الوثائق الدستورية، بل في تحويل المشروع السياسي إلى واقع قانوني يحظى باعتراف المجتمع الدولي، عبر توظيف قواعد القانون الدولي، وتفعيل الدبلوماسية، وبناء توافقات داخلية وخارجية تدعم ممارسة حق تقرير المصير وفق الأطر القانونية الدولية.