وطن أنهكته سنوات الصراع و حـ.ـرب استنزف فيها الإنسان
الجمعة - 17 يوليو 2026 - 12:59 ص
صوت العاصمة/ بقلم: نائلة هاشم
منذ أكثر من عقد، لم تعد الحرب في بلادي مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى واقع يومي أعاد تشكيل ملامح الدولة والمجتمع والاقتصاد. فقد خلفت سنوات الصراع واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، وألقت بظلالها الثقيلة على مختلف جوانب الحياة، حتى بات المواطن يدفع ثمن حرب لم يجن منها سوى الفقر والخوف وفقدان الأمل.
اقتصاديا، استنزفت الحرب الموارد الوطنية بصورة غير مسبوقة. فتوقفت عجلة الإنتاج في قطاعات حيوية، وتراجعت الاستثمارات، وتعرضت البنية التحتية للدمار، فيما تقلصت فرص العمل واتسعت رقعة البطالة. كما أدت الانقسامات المالية والإدارية إلى اضطراب المؤسسات الاقتصادية، وانخفاض قيمة العملة في أجزاء من البلاد، وارتفاع معدلات التضخم، لتصبح القدرة الشرائية للمواطن في أدنى مستوياتها، بينما تواصل أسعار السلع والخدمات الأساسية ارتفاعها بشكل يفوق قدرة معظم الأسر.
ولم تتوقف آثار الحرب عند حدود الاقتصاد، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي الذي تعرض لتحديات عميقة. فقد دفعت الظروف المعيشية القاسية آلاف الأسر إلى النزوح، وحرمت أعدادا كبيرة من الأطفال من التعليم، كما اتسعت دائرة الفقر، ، في وقت تكافح فيه المجتمعات المحلية للحفاظ على الحد الأدنى من التماسك والتكافل.
أما على الصعيد السياسي، فقد خلفت سنوات الحرب حالة من الانقسام الداخلي، وأضعفت مؤسسات الدولة، وأعاقت بناء سلطة قادرة على إدارة شؤون البلاد بصورة مستقرة. وبين تعدد مراكز النفوذ وتباين الرؤى السياسية، تعثرت جهود الوصول إلى تسوية شاملة تضع حدا للصراع، بينما ظل المواطن ينتظر حلولا تنهي دوامة الأزمات المتلاحقة.
رغم كل هذه التحديات، لا تزال الموارد التي تمتلكها البلاد ، تعتبر هي المقومات القادرة على الإسهام في التعافي إذا ما توفرت بيئة آمنة ومستقرة. فبلادنا تزخر بثروات طبيعية وموقع جغرافي استراتيجي وطاقات بشرية شابة، إلا أن استمرار الصراع يحول دون استثمار هذه الإمكانات في مسار التنمية وإعادة الإعمار.
لقد أثبتت التجربة أن الحروب لا تصنع أوطانا مزدهرة، وإنما تخلف خسائر تتجاوز حدود الدمار المادي إلى تآكل الثقة، واستنزاف الإنسان، وتعطيل مسيرة التنمية. نحن اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للمواطن، ويضع المصلحة العامة فوق كل الاعتبارات، لأن بناء السلام الحقيقي هو الطريق الوحيد لاستعادة الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وترميم المجتمع الذي دفع أثمانا باهظة وما يزال ينتظر فجر الاستقرار.