تهديدات الحو.ثيين للملاحة .. اليمنيون يدفعون ثمن التصعيد في لقمة عيشهم..
الإثنين - 27 يوليو 2026 - 12:18 ص
صوت العاصمة/ صنعاء
في بلد يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، تثير تهديدات ميليشيا الحوثي باستهداف الملاحة التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب مخاوف متزايدة من انعكاسات مباشرة على حياة ملايين اليمنيين، الذين يخشون من موجة جديدة من ارتفاع الأسعار وتفاقم الأعباء المعيشية.
ولا ينظر كثير من اليمنيين إلى التصعيد في البحر الأحمر باعتباره أزمة عسكرية بعيدة، بل يرونه تهديدًا إضافيًا يقترب من تفاصيل حياتهم اليومية، خصوصًا في ظل اعتماد البلاد الكبير على الواردات لتأمين الغذاء والدواء والوقود، واستمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وانقطاع الرواتب في مناطق واسعة.
وتقول مصادر تجارية في صنعاء إن الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين تشهد موجة ارتفاع متصاعدة في أسعار عدد من السلع الأساسية، بالتزامن مع تصاعد التهديدات التي تطال حركة الملاحة الدولية.
وتشير المصادر إلى أن التجار والمستهلكين يواجهون ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، إلى جانب الإتاوات والجبايات غير القانونية التي تفرضها الميليشيا على النشاط التجاري، ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع التي يتحمل المواطنون أعباءها.
ويخشى السكان من أن يؤدي استمرار التوتر في البحر الأحمر إلى مزيد من الاضطراب في الأسواق، سواء عبر ارتفاع تكلفة الاستيراد أو تراجع النشاط التجاري أو صعوبة وصول بعض السلع والخدمات، في وقت تعاني فيه الأسر من تراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر.
ويقول ناصر، وهو موظف حكومي في صنعاء، إن أي تصعيد جديد يعني مزيدًا من الضغوط على الأسر التي تعاني أصلًا من انقطاع الرواتب منذ سنوات، موضحًا أن أسعار الغذاء والدواء والوقود أصبحت فوق قدرة كثير من المواطنين، بينما لم تعد الدخول قادرة على مواكبة الارتفاع المستمر في تكاليف الحياة.
ومن محافظة الحديدة، يؤكد سعيد أن تأثيرات الصراع البحري تصل سريعًا إلى الأسواق المحلية، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن والنقل ينعكس مباشرة على المستهلك، الذي يدفع في النهاية ثمن أي اضطراب في حركة التجارة.
ويرى السياسي البارز نايف القانص أن التصعيد الجاري في البحر الأحمر لم يعد مرتبطًا بالأزمة اليمنية أو بمعاناة السكان، بل تحول إلى جزء من معادلات الصراع الإقليمي وإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة.
وأوضح القانص أن استهداف السفن المرتبطة بالسعودية لا يبدو مرتبطًا بمعالجة الأوضاع الإنسانية في اليمن أو كسر ما تسميه الجماعة "الحصار"، مشيرًا إلى أن قضايا داخلية ملحة، مثل انقطاع الرواتب منذ سنوات واستمرار القيود على الرحلات المدنية من مطار صنعاء، لم تتحول إلى أولوية في مسار التصعيد.
وأضاف أن توقيت العمليات وتشابكها مع التطورات الإقليمية يشيران إلى أن البحر الأحمر أصبح ساحة ضمن صراع أوسع، معتبرًا أن تهديد أحد أهم الممرات البحرية العالمية يهدف إلى إعادة توزيع الضغوط على خصوم إيران ومنح طهران مساحة أكبر للمناورة السياسية والعسكرية.
وأشار القانص إلى أن السعودية لم تتجه حتى الآن إلى رد عسكري مباشر، بل ركزت على تعزيز التنسيق مع الإمارات وإعادة توحيد الموقف الخليجي، مع إعطاء الأولوية للمسارات الدبلوماسية وبناء موقف يحظى بدعم إقليمي ودولي قبل الانتقال إلى خيارات أخرى.
ولفت إلى أن الدول عادة ما تدير الأزمات الاستراتيجية بحسابات دقيقة تراعي كلفة الحرب وعوائدها، بينما ترتبط قرارات بعض الفاعلين من غير الدول بصراعات ومحاور إقليمية تتجاوز حدود أوطانهم، حتى وإن انعكس ذلك على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في الداخل.
وختم القانص بالتحذير من أن المرحلة الحالية تمثل إعادة تشكيل للتوازنات الأمنية في الخليج والبحر الأحمر، وأن أي خطأ في تقدير الموقف قد يقود إلى تصعيد أوسع، فيما ستحدد التطورات المقبلة شكل النظام الأمني الجديد في المنطقة وموقع اليمن داخله.
من جانبه، أكد البرلماني أحمد سيف حاشد أن الشعب اليمني يواجه سياسة تجويع ممنهجة ومتعمدة، مشيرًا إلى أن معاناة المواطنين تمثل جريمة مستمرة منذ أكثر من عقد.
وقال حاشد، في منشور له على حسابه في "فيسبوك"، إن تجويع المواطنين يمثل "سياسة قذرة" نُفذت بإصرار وعمد خلال السنوات الماضية، محملًا الجهات المتسببة مسؤولية استمرار المعاناة الإنسانية. وأضاف أن تجاهل حقيقة ما يواجهه اليمنيون أو عدم الاعتراف بها يسهم، بحسب تعبيره، في مضاعفة معاناة الشعب، داعيًا إلى وضع احتياجات المواطنين في مقدمة الأولويات بدلًا من الانخراط في صراعات تزيد من تدهور أوضاعهم.
وقال الكاتب السياسي محمد الثريا إن التصعيد السياسي والعسكري الأخير للحوثيين لا يمثل سوى مواجهة جديدة يدفع الشعب اليمني وحده تبعاتها، بينما تسعى الجماعة من خلالها إلى تحقيق مكاسب خاصة بها وبالداعم التقليدي لها، في إشارة إلى إيران.
وأوضح الثريا أن سنوات الصراع الماضية أثبتت أن تحركات الحوثيين كانت عبارة عن مغامرات وقَفزات متهورة قادت في كل مرة إلى تعميق الأزمة الإنسانية وتراجع فرص السلام في اليمن. وأشار إلى أن التصعيد الأخير في البحر الأحمر أدى إلى ارتفاع كلفة الملاحة في هذا الممر الحيوي، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد اليمني المنهك، ويزيد من معاناة المواطنين ويضاعف تدهور أوضاعهم المعيشية.
وأكد أن الواقع يثبت، بحسب رؤيته، أن جماعة الحوثيين قادت البلاد إلى مزيد من الأزمات بحثًا عن تثبيت سلطتها وخدمة أجندات داعميها، بعيدًا عن مصالح اليمنيين وتطلعاتهم في السلام والاستقرار.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار تهديد الملاحة التجارية قد يدفع شركات الشحن إلى رفع رسوم النقل والتأمين أو تغيير مساراتها، ما يزيد تكلفة السلع المستوردة ويضاعف الضغوط على الأسواق اليمنية.
وفي ظل استمرار انقطاع الرواتب وتراجع الخدمات وارتفاع معدلات الفقر، فإن أي موجة جديدة من الغلاء ستكون أكثر قسوة على الأسر اليمنية، التي تجد نفسها عالقة بين تداعيات صراع إقليمي واسع وسياسات داخلية تزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي.
وبينما تواصل ميليشيا الحوثي رفع مستوى التهديدات في البحر الأحمر، يبقى المواطن اليمني الطرف الأكثر تضررًا من أي تصعيد جديد، إذ تتحول التحركات العسكرية والسياسية إلى أعباء يومية تمس الغذاء والدواء والدخل وفرص العيش