الجنوب بين مطرقة الرياض وسندان أبوظبي.. سنوات من الصراع على الأرض وتجميد الحلم الوطني
الإثنين - 27 يوليو 2026 - 01:10 ص
صوت العاصمة/ بقلم / دينيس كوركودينوف
بعد أكثر من عقد من الحرب والتحالفات والتفاهمات والصراعات الخفية والمعلنة، تبدو الصورة اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فكل ما جرى في الجنوب خلال السنوات الماضية لم يكن في جوهره معركة من أجل استعادة الدولة الجنوبية بقدر ما كان صراع نفوذ بين الرياض وأبوظبي، استخدمت فيه أدوات محلية وشعارات مختلفة، بينما بقيت القضية الوطنية الجنوبية خارج دائرة الأولويات الحقيقية للطرفين.
منذ البداية كانت السعودية أكثر صراحة ووضوحاً في موقفها. فقد أعلنت أن تدخلها جاء تحت عنوان استعادة الشرعية والحفاظ على وحدة اليمن، ولم تُخفِ يوماً أن القضية الجنوبية بالنسبة لها شأن يمني داخلي يجب أن يُحل ضمن إطار الدولة اليمنية. قد يختلف الجنوبيون مع هذا الموقف أو يتفقون معه، لكنه كان موقفاً معلناً ولم يحمل وعوداً تتجاوز ذلك السقف.
أما الإمارات فقد تعامل معها قطاع واسع من الجنوبيين باعتبارها الحليف الأقرب لمشروع استعادة الدولة الجنوبية، غير أن الوقائع السياسية خلال السنوات الماضية لم تُظهر وجود مشروع إماراتي حقيقي لتحقيق هذا الهدف. فلم نشهد تحركاً دبلوماسياً دولياً واسعاً لحشد الاعتراف بحق الجنوب في تقرير مصيره، ولم تُبذل جهود سياسية على المستوى الإقليمي أو الدولي لوضع قضية استعادة الدولة الجنوبية على طاولة المجتمع الدولي، رغم امتلاك أبوظبي شبكة علاقات ونفوذاً كان يمكن أن يجعلها لاعباً مؤثراً في هذا الملف لو أرادت ذلك.
لقد دعمت الإمارات قوى جنوبية ومكنتها عسكرياً وأمنياً، لكنها في الوقت نفسه لم تذهب نحو دعم مشروع استقلالي واضح المعالم، بل بدا أن سقف الدعم يتوقف عند حدود النفوذ والمصالح والتوازنات الإقليمية. بل إن كثيراً من المؤشرات توحي بأن أي توجه جنوبي مستقل بالكامل عن الإرادة الإماراتية لم يكن محل ترحيب، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين محكومة دائماً بحسابات النفوذ أكثر من ارتباطها بهدف وطني جنوبي خالص.
اليوم تبدو السعودية وكأنها حققت تقدماً واضحاً في معركة النفوذ داخل الجنوب، خصوصاً بعد التطورات التي شهدتها حضرموت وما تبعها من إعادة ترتيب للمشهد السياسي والعسكري. لكن هذا الانتصار، إن صح وصفه بذلك، لا يعني بالضرورة انتصار المشروع الجنوبي، كما أن أي عودة إماراتية محتملة إلى الواجهة مستقبلاً لن تعني تلقائياً اقتراب استعادة الدولة الجنوبية. فالطرفان يتنافسان على النفوذ والتأثير وإدارة المشهد، لا على تحقيق أهداف الحركة الوطنية الجنوبية.
بعد أحداث حضرموت انتقل عدد كبير من قيادات المجلس الانتقالي إلى الرياض، حيث مضت أشهر طويلة دون أن يعود معظمهم إلى الداخل. وخلال تلك الفترة روجت الرياض لفكرة حوار جنوبي ـ جنوبي ولترتيبات سياسية جديدة، بينما كانت تعمل في الوقت نفسه على إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي، وإعادة هيكلة مؤسسات السلطة ومجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وصولاً إلى تقليص نفوذ الانتقالي وإخراجه تدريجياً من كثير من مواقع الشراكة التي كان يتمتع بها سابقاً.
في المقابل، غادر فريق آخر من قيادات الانتقالي إلى أبوظبي برفقة الرئيس عيدروس الزبيدي، وهناك ساد صمت طويل أثار كثيراً من التساؤلات. فلا نشاط سياسي ظاهر، ولا لقاءات معلنة، ولا حضور إعلامي يوازي حجم التطورات التي يشهدها الجنوب. واختفت معظم القيادات عن المشهد العام لفترات طويلة، في وقت كانت فيه الأحداث تتسارع على الأرض بصورة غير مسبوقة.
المفارقة أن الرياض منحت خلال الأشهر الأخيرة مساحة محدودة للقيادات الموجودة لديها للتعبير والتواصل وكتابة المقالات وإبداء الآراء، بل إن بعض تلك الآراء لم تكن منسجمة بالكامل مع التوجهات السعودية نفسها. أما في أبوظبي فقد استمر الغموض والصمت إلى درجة دفعت كثيرين للتساؤل حول حقيقة الدور الذي تلعبه الإمارات ومستقبل علاقتها بالمجلس الانتقالي وقياداته.
النتيجة التي تفرض نفسها اليوم هي أن القضية الجنوبية دفعت ثمناً باهظاً لهذا الصراع. فبين نفوذ الرياض ونفوذ أبوظبي تراجع الحديث عن استعادة الدولة الجنوبية، وتقدمت ملفات الترتيبات الأمنية والعسكرية وتقاسم النفوذ وإدارة المصالح. وتحول جزء كبير من النخب السياسية الجنوبية إلى متابعين لصراع الآخرين أكثر من كونهم أصحاب مشروع وطني مستقل قادر على فرض أجندته الخاصة.
واليوم، ومع ظهور مؤشرات على تقارب سعودي إماراتي جديد بعد سنوات من التنافس والتباين، يبرز سؤال سياسي مهم: هل سيكون ثمن هذا التقارب إغلاق ما تبقى من الملف الجنوبي المستقل؟ وهل يصبح إبعاد عيدروس الزبيدي نهائياً عن المشهد أو تجميد دوره السياسي جزءاً من ترتيبات المرحلة المقبلة؟ أم أن الرجل سيعود ضمن صيغة جديدة تتوافق مع أولويات العاصمتين؟
لا أحد يملك إجابات قاطعة حتى الآن، لكن المؤكد أن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يبقى رهينة لتفاهمات الرياض وأبوظبي أو خلافاتهما. فالتجربة أثبتت أن انتصار أي منهما على الأخرى لا يقرب الجنوبيين خطوة من استعادة دولتهم، كما أن هزيمة إحداهما لا تعني بالضرورة انتصار المشروع الوطني الجنوبي. القضية الجنوبية كانت وستظل قضية شعب يسعى لاستعادة دولته، أما صراعات النفوذ الإقليمية فمهما تبدلت نتائجها تبقى شأناً آخر لا ينبغي الخلط بينه وبين الهدف الوطني الذي خرج من أجله الجنوبيون وضحوا لأجله طوال العقود الماضية
دينيس كوركودينوف
كاتب وباحث روسي، رئيس مركز التحليل والتنبؤ السياسي في روسيا الاتحاديه