مداد العاصمة



غزوة الإعجابات الكبرى.. عندما أصبحت صنعاء تُحرَّر بالوسوم، وتُدار الحـ.ـروب من بهو الفندق

الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - 12:25 ص

غزوة الإعجابات الكبرى.. عندما أصبحت صنعاء تُحرَّر بالوسوم، وتُدار الحـ.ـروب من بهو الفندق

صوت العاصمة/ بقلم / محمد علي رشيد النعماني



هناك حروب تُخاض بالدبابات، وأخرى بالصواريخ، وثالثة بالاقتصاد. أما الشرعية، فقد ابتكرت جيلاً جديداً من الحروب لا يعرفه التاريخ العسكري: حرب “الإعجاب” و”إعادة النشر”.
يستيقظ اليمنيون كل صباح ليكتشفوا أن الحرب قد اشتعلت بضراوة… ولكن على فيسبوك. أما صنعاء، فقد أصبحت على بُعد تغريدة واحدة من التحرير عبر منصة X، فيما كانت الجيوش الإلكترونية تتقدم بسرعة الضوء، متجاوزة كل تضاريس الجغرافيا التي استعصت على الجيوش الحقيقية سنوات طويلة.
ويبدو أن الخرائط العسكرية القديمة أصبحت بحاجة إلى تحديث. لم تعد خطوط التماس تمر عبر الجبال والوديان، بل عبر خوارزميات المنصات. ولم يعد السؤال: من يسيطر على الأرض؟ بل: من يتصدر الوسم؟
المشهد يثير قدراً هائلاً من السخرية، لأنه يكشف مفارقة مؤلمة. فمنذ سنوات، اعتاد اليمنيون سماع البيانات التي تبدأ بعبارات من قبيل “اقتربت ساعة الحسم”، حتى ظن البعض أن الزمن نفسه أصيب بالإرهاق من كثرة اقترابه دون أن يصل.
واليوم تطور الأمر. لم يعد الاقتراب يحتاج إلى قوات أو خطط أو لوجستيات. يكفي حساب موثق، وعدد جيد من المؤثرين، وبعض التصاميم الحماسية، حتى تتحول شاشة الهاتف إلى غرفة عمليات، ويصبح زر “إعادة النشر” بديلاً عن تحريك الألوية.
والأطرف من ذلك أن بعض الانتصارات الرقمية تُعلن بسرعة تفوق نشرات الطقس. مدينة تُحرر قبل الإفطار، ثم تعود إلى وضعها الطبيعي قبل الغداء، بينما يبقى المواطن في المكان نفسه، ينتظر الكهرباء والماء والراتب، غير مدرك أنه يعيش داخل مدينة “محررة” على الإنترنت فقط.
وليس المقصود هنا التقليل من أهمية الإعلام أو تأثير الفضاء الرقمي. فالحروب الحديثة تخاض أيضاً بالرواية والمعلومة والصورة. لكن تحويل الإعلام إلى بديل عن الفعل، والتغريدة إلى خطة عسكرية، والوسم إلى نصر استراتيجي، هو أشبه بمن يحاول إطفاء حريق هائل بصورة لكوب ماء.
أما الحوثيون، فلا شك أنهم يراقبون هذا الضجيج الإلكتروني باهتمام، وربما بشيء من الارتياح أيضاً. فالخصم الذي يقضي يومه في عدّ الإعجابات، أقل انشغالاً بعدّ الوقائع على الأرض. وفي السياسة، كما في الشطرنج، لا يخسر اللاعب بسبب ضجيج الجمهور، بل بسبب القطع التي تتحرك فعلاً على الرقعة.
لقد أصبحت لدينا صناعة كاملة لإنتاج الانتصارات الافتراضية. محللون يوزعون خرائط النصر، وناشطون يعلنون اقتراب الحسم كل أسبوع، وحسابات تتبادل التهاني قبل أن يبدأ الحدث أصلاً. أما الحقيقة، فهي ذلك الضيف الثقيل الذي لا يجد مقعداً في مهرجان المبالغات.
والسياسة، في نهاية المطاف، ليست مسابقة لمن يكتب أكثر، بل لمن ينجز أكثر. فالأوطان لا تُدار بالترند، ولا تُستعاد بالهاشتاغ، ولا تُحرر بعدد المشاركات، مهما بلغ بريقها على الشاشات.
ربما آن الأوان للتمييز بين الحرب التي تُرى على شاشة الهاتف، والحرب التي تغيّر موازين الواقع. فالأولى تمنح صاحبها آلاف الإعجابات، أما الثانية فتحتاج إلى قرارات، وإرادة، وأثمان يدفعها من هم خارج الفنادق، لا من يطلون على المشهد من شرفات الإنترنت.

ويبقى الدرس بسيطاً، وإن كان قاسياً: لا أحد دخل عاصمة بتغريدة، ولا غيّر خريطة بإيموجي، ولا كتب التاريخ بزر “إعجاب”. فالتاريخ، للأسف أو لحسن الحظ، لا يزال عنيداً إلى درجة أنه يصر على أن تُكتب صفحاته على الأرض، لا على الجدار الأزرق



الأكثر زيارة


إرادة عصية على الانكسار.. كيف يتجهز الجنوبيون لمزيد من التصع.

الإثنين/27/يوليو/2026 - 12:09 ص

في لحظة فارقة من مسار النضال الوطني، يُبدي شعب الجنوب العربي في مختلف أرجاء ومحافظات الوطن مستوى استثنائياً من الجاهزية والاستعداد لمواكبة المرحلة الم


الإعلامي غازي النقيب يهنئ الدكتور أمين عبدالوهاب بعقد قران ن.

الأحد/26/يوليو/2026 - 10:32 م

احتفل الدكتور أمين علي عبدالوهاب بعقد قران نجله عبدالله على ربة العفاف والصون ابنة الدكتور منير علي عبدالوهاب، ربة الصون والعفاف، وذلك بحضور عدد من ال


إطلاق نار يثير التوتر في إنماء.. وأمن عدن يوضح ملابسات الحاد.

الإثنين/27/يوليو/2026 - 03:28 ص

أوضحت إدارة أمن عدن، مساء اليوم، حقيقة ما تم تداوله بشأن وقوع اشتباكات في مدينة إنماء، مؤكدة أن الأوضاع الأمنية مستقرة، وأن ما حدث لا يعدو كونه حادثة


الهيئة العسكرية العليا للجيش والأمن الجنوبي: معاشيق موعدنا...

الأحد/26/يوليو/2026 - 11:23 م

تدعو رئاسة الهيئة العسكرية العليا للجيش والأمن الجنوبي رؤساء وقيادات فروع الهيئة العسكرية العليا ومنتسبي الجيش والأمن الجنوبي في المحافظات والمديريات