الجنوب.. بين جراح الحاضر وحتمية استعادة الدولة
الخميس - 30 يوليو 2026 - 01:09 ص
صوت العاصمة/ كتب / أبوبكر المنصوري
استهداف القيادة والقوات وتدهور معيشي… ووحدة الصف مفتاح استعادة القرار
المقدمة
بعد أكثر من ثلاثة عقود على وحدة انقلبت إلى اجتياح، يدخل الجنوب اليوم مرحلة جديدة من المعاناة. فبدلاً من أن ينال شعب الجنوب حقه المشروع في تقرير المصير، يواجه ما يصفه الكثيرون بـ “احتلال جديد” تمثل في تهميش قراره السياسي وإقحام قوات غير جنوبية في أرضه، إلى جانب انهيار معيشي غير مسبوق يطال كل بيت جنوبي.
أولاً: القضية الجنوبية.. حق سياسي وتاريخي لا يسقط
القضية الجنوبية ليست مطلباً فئوياً أو نزعة مناطقية. هي قضية شعب دخل في وحدة طوعية مع الشمال عام 1990، وتم الانقلاب عليها عسكرياً في صيف 1994.
ومنذ ذلك التاريخ قدم الجنوبيون قوافل من الشهداء في عدن والمكلا والضالع وسائر مدن الجنوب، دفاعاً عن حقهم في تقرير المصير واستعادة دولتهم التي عاشوا في ظلها بسلام وطمأنينة.
ويستند هذا الحق إلى مواثيق الأمم المتحدة التي تكفل للشعوب حق تقرير المصير. فالجنوب شعب له أرضه وحدوده وتاريخه ومؤسساته المدنية. وأي تسوية سياسية قادمة تتجاهل هذه الحقيقة، محكوم عليها بالفشل، وستكون سبباً في استمرار دوامة عدم الاستقرار.
ثانياً: استهداف ممنهج للمجلس الانتقالي وقواته في حضرموت والرياض
في خضم هذا الواقع، برز المجلس الانتقالي الجنوبي كحامل سياسي وعسكري للقضية الجنوبية، بقيادة الرئيس اللواء عيدروس قاسم الزبيدي.
وقد بدأ الاستهداف الممنهج باستهداف القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت وعلى أرضها، حيث تتعرض هذه القوات التي تؤدي واجبها الوطني في تأمين المدن ومكافحة الإرهاب وحماية الممرات الملاحية الدولية، لحملات اغتيالات وتخوين إعلامي وتجويع عبر قطع الرواتب بهدف إضعافها وكسر إرادتها.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد إلى استهداف القيادة السياسية مباشرة من خلال اعتقال وفد المجلس الانتقالي في الرياض، ومحاولات إجبارهم على الإدلاء بتصريحات تقضي بحل أنفسهم، في محاولة واضحة لتفريغ القضية من حاملها السياسي.
وفي المقابل، لا يزال الرئيس الزبيدي صامداً في الجنوب ويمارس مهامه من الداخل رغم المضايقات والتهديدات التي يتعرض لها، مؤكداً تمسكه بثوابت شعب الجنوب ورفضه القاطع لأي إقصاء أو وصاية.
كما شهدت المرحلة الأخيرة إقحام قوات عسكرية تحت قيادة سعودية وشمالية في مناطق جنوبية، وهو ما اعتبره الشارع الجنوبي التفافاً على تضحياته وتكريساً لواقع احتلالي جديد يرفضه.
ثالثاً: الواقع المعيشي.. عقاب جماعي لشعب غني
يعيش المواطن الجنوبي اليوم أوضاعاً معيشية هي الأصعب في تاريخه. رواتب تتأخر لأشهر، وغلاء فاحش يلتهم مدخرات الناس، وانهيار شبه كامل في الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم.
ويأتي الشباب والمرأة الجنوبية في مقدمة المتضررين، حيث البطالة وتوقف التعليم يهدد مستقبل جيل كامل.
والمفارقة أن هذا يحدث في إقليم يمتلك ثروات هائلة: موانئ استراتيجية في عدن والمكلا، وثروات نفطية وغازية، وثروة سمكية، وسواحل تمتد لآلاف الكيلومترات.
إن ما يحدث ليس مجرد فشل إداري، بل هو نتيجة مباشرة لغياب الدولة الوطنية وسيطرة مراكز الفساد التي حولت خيرات الجنوب إلى نقمة على أبنائه.
اليوم لم يعد المواطن في لحج وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى يطالب بالرفاهية. صار حلمه الأساسي: راتب منتظم، وتيار كهربائي مستقر، وأمن يحفظ كرامته.
رابعاً: خارطة الطريق لاستعادة القرار الجنوبي
إن الخروج من هذا الواقع يتطلب مشروعاً سياسياً واضح المعالم:
1. وحدة الصف الجنوبي: وهي حجر الأساس. على جميع المكونات السياسية والاجتماعية أن تتوحد خلف الهدف الوطني، والالتفاف حول المجلس الانتقالي بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي كممثل شرعي للقضية.
2. استعادة القرار السياسي الجنوبي: برفض أي وصاية أو إقصاء، والمطالبة بعودة قيادة المجلس لممارسة دورها كاملاً دون قيود أو ابتزاز.
3. بناء نموذج الدولة في المناطق المحررة: من خلال تقديم الخدمات، ومحاربة الفساد، وبناء مؤسسات مدنية وأمنية جنوبية قوية. وهذا هو أفضل رد على المشكين وأقصر طريق لنيل اعتراف العالم.
4. تحرك سياسي ودبلوماسي فاعل: لإيصال صوت الجنوب إلى المحافل الإقليمية والدولية، وتقديم القضية الجنوبية كضمانة أساسية للاستقرار والأمن في جنوب الجزيرة العربية وباب المندب.
الخاتمة
إن الجنوبيين لا يسعون إلى مغامرة جديدة. كل ما يريدونه هو دولة مدنية فيدرالية عاصمتها عدن، تحترم القانون وتصون الحريات وتوفر العيش الكريم لأبنائها، وتكون عنصر استقرار للمنطقة.
ونناشد المجتمع الدولي والإقليمي سرعة الاستجابة لمطالب شعب الجنوب العادلة قبل فوات الأوان.
وسيواصل شعب الجنوب نضاله السلمي والسياسي حتى يستعيد قراره ودولته، ويعيش بسلام وطمأنينة وكرامة