مداد العاصمة



في تقلب السياسة ورهان الخطاب

الخميس - 06 أغسطس 2026 - 08:41 م

في تقلب السياسة ورهان الخطاب

صوت العاصمة/خاص:

كتب: أحمد حرمل

تُجسّد السياسة، في جوهرها، فضاءً متحركاً لا يعرف الثبات، حيث تتشابك المصالح وتتنازع الرؤى، فتتلاشى الحدود الفاصلة بين الصديق والخصم.

ففي هذا الحقل المتغيّر، ليست هناك عداوة دائمة ولا صداقة أبدية؛ إذ سرعان ما ينقلب عدو اليوم إلى صديق الغد، كما قد يصبح أقرب الحلفاء خصماً لدوداً مع تبدل الظروف وتغيّر الأولويات.

إنها لعبة شطرنج تتغير أوضاعها بنقلة واحدة، وقواعدها تتبدل وفق ما تمليه ضرورات المرحلة ومقتضيات المصلحة.

فما يصلح اليوم قد يفسد غداً، وما كان متاحاً بالأمس قد يصبح مستحيلاً اليوم، وما لقي قبولاً في زمن قد يُرفض رفضاً باتاً في زمن آخر.

السياسة إذن ليست جموداً، بل هي ماء جارٍ يتشكّل حسب مجرى الأحداث، ويتلون بانعكاسات المصالح المتجددة.

من يدرك هذه الحقيقة يتسلح بالمرونة، ومن يغفل عنها يقع في فخ الجمود والتعصب.

غير أن المؤسف حقاً، أن بعض أصحاب القضايا العادلة يجهلون هذه القاعدة السياسية، فيُبادِرون، بدلاً من كسب الأنصار وتوسيع قاعدة التأييد، إلى تضييق دائرة الحوار وإشعال نيران الصراع مع كل من يخالفهم الرأي، ولو جزئياً.

إنهم يُوسّعون رقعة العداء بدل احتوائها، ويحولون خصومهم الافتراضيين من وجهة نظرهم إلى أعداء حقيقيين، فيخسرون بذلك فرصاً ثمينة للتفاهم والتعاون.

وهنا تبرز حقيقة موجعة، وهي أن عدالة القضية وحدها لا تكفي لتحقيق النصر، مهما كانت نبيلة، إذا ما وُضعت في أيدٍ غير مؤهلة.

فالقضية العادلة كالبذرة الطيبة، تحتاج إلى من يعرف كيف يفلح الأرض ويسقيها ويرعاها، لا إلى من يخنقها بالشوك ويعيق نموها بالري العشوائي.

إن نجاح أي رسالة سياسية لا يتوقف على صلاح مضمونها فحسب، بل على براعة من يحملها، وحكمته في إدارة الخلاف، وقدرته على تحويل الخصومة إلى منافسة، والعداء إلى تفاهم.

وهذا الدرس السياسي يتجلى بأبلغ صوره في القضية الجنوبية، تلك القضية التي تحمل في طياتها وجهاً من وجوه العدالة، وتستند إلى حق تاريخي ومشروعية نضالية، غير أنها، للأسف، لم تسلم من آفات السلوك والخطاب السياسي المتصلب المنفر، والمقاربات السياسية العقيمة التي تنأى عن روح التوافق وتغذي الانقسام.

ففي المشهد الجنوبي، نرى تحولات سريعة في المواقف والتحالفات، ما بين التقاطع والتصادم، وما بين الاصطفاف والانقسام، مما يجعل الحاجة إلى المرونة والوعي السياسي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

فكم من فرصة لتوحد الصف الجنوبي أضيعت بسبب تشدد في الرأي، وكم من حليف تحول إلى خصم بسبب سوء تقدير للموقف، وقلة من أدركوا أن تحقيق الأهداف الجنوبية العادلة لا يتوقف على شعارات الانتصار، بل على فن إدارة التنوع واحتواء الآخر، وتحويل الخلافات السياسية إلى نقاط قوة في معادلة النضال.

إن القضية الجنوبية، بقدر ما هي عادلة، تظل رهينة بمن يحمل ، فإن أُحسن عرضها كسبت أنصاراً حولها، وإن أُسيء التعامل معها، تحولت إلى ساحة صراعات داخلية تستنزفها قبل أن تنال حظها من النصر.

فلنستخلص العبرة من تجارب الماضي بان السياسة ليست ميداناً للمشاعر المتصلبة، بل هي قاعدة الممكن والمتاح، وحكمة إدارة الاختلاف.

ومن يظن أن صوته الأعلى أو تشدده الأكبر هو طريق النصر، فإنما يضعف قضيته قبل أن يقويها، ويجعل من عدالة غايته ذريعة لفشل وسائله.

النجاح الحقيقي يكمن في تحويل القضية العادلة إلى مشروع جماعي، عبر خطاب يجمع لا يفرق، وحوار يبني لا يهدم، ورؤية ترى في الغد فرصة لا تهديداً.



الأكثر زيارة


محاولة اغتـ.ـيال تهز الضالع.. إصابة المواطن بسام الصبيحي برص.

الأربعاء/05/أغسطس/2026 - 11:56 م

تعرض المواطن بسام الصبيحي، مساء اليوم، لإطلاق نار من قبل مسلحين مجهولين في منطقة الحود بمحافظة الضالع، ما أدى إلى إصابته بعدة طلقات في أنحاء متفرقة من


رسائل بالقنـ,ـابل.. هجـ,ـوم على منزل برلماني يمني فضح جـ,ـرا.

الأربعاء/05/أغسطس/2026 - 11:35 م

رسائل ملغومة بالقنابل وجّهها إخوان اليمن إلى برلماني فضح مخططات التنظيم وتصدى بقوة لجرائم أذرعه العسكرية في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج. وقالت مصادر م


اعتقال معين المقرحي يدخل شهره الثاني وسط إدانات ومطالبات قبل.

الخميس/06/أغسطس/2026 - 01:39 ص

تواصل سلطات الأمر الواقع بالعاصمة عدن اعتقال القائد والناشط السياسي معين المقرحي، منذ أوائل يوليو الماضي، وسط انتقادات واسعة لظروف وملابسات احتجازه. و


الأمين العام يطلع على الإجراءات القانونية الخاصة بقضية المنا.

الخميس/06/أغسطس/2026 - 04:06 م

اطّلع عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس، الأستاذ وضاح نصر عبيد الحالمي، اليوم الخميس، على إحاطة قانونية