قوة المال أم ضعف الثقة؟
السبت - 08 أغسطس 2026 - 09:45 ص
صوت العاصمة/ كتب/علي محمد سيقلي:
من يدّعي القوة والعظمة، ويملك من المال ما يكفي لشراء الولاءات والطاعة من الآخرين، هل نسمي ما يفعله قوة أم ضعفًا؟
القوة الحقيقية لا تحتاج إلى شراء أحد، ولا تبحث عن أتباع بالمال، ولا تستمد هيبتها من خوف الآخرين منها. القوة ثقة بالنفس، وثقة بالقدرة على حماية المصالح، وإدارة الأزمات، ومواجهة الخصوم دون الحاجة إلى استدعاء الآخرين في كل معركة.
أما الذي ينفق الأموال ليصنع حوله دائرة من الموالين، ويشتري المواقف والذمم، ثم يتحدث عن القوة والمنعة، فربما يكون المال الذي يملكه أكبر من ثقته بنفسه.
والسؤال هنا: أي قوة تلك التي تجعل المملكة تستنجد بدول أخرى لحمايتها من الحوثي؟
لا أحد يعترض على حق أي دولة في حماية أمنها، لكن التناقض يبدأ عندما تتحول حماية الأمن إلى سياسة تدخل في شؤون الجيران، وتُجيَّش الجيوش، وتُدفع الأموال، وتُصنع التحالفات، وتُشترى الولاءات تحت عناوين متعددة، ثم يُطلب من الطرف المستهدف بكل ذلك أن يصمت، أو يغض الطرف، وكأن ما يجري حوله لا يعنيه.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تخوض السعودية حربًا في اليمن، وتنفق الأموال تحت عنوان دعم الشرعية، وتتدخل في تفاصيل المشهد اليمني سياسيًا وعسكريًا، ثم تريد من الحوثي، الذي تعتبره خصمًا مباشرًا لها، أن يتعامل مع هذه التدخلات وكأنها شأن داخلي لا علاقة له به؟
هل يمكن أن تطلب من خصمك أن يحترم حدودك، بينما أنت لا تتوقف عن تجاوز حدود بلاده؟
السياسة ليست خطبًا تُلقى أمام الكاميرات، ولا شعارات تُرفع في المناسبات. السياسة مصالح متبادلة، وقواعد واضحة، وحسابات دقيقة. ومن يدخل ملعب السياسة عليه أن يتوقع أن خصومه يقرأون خطواته كما يقرأ هو خطواتهم.
المشكلة ليست في امتلاك المال؛ فالمال قوة عندما يُستخدم لبناء الدولة، وتنمية الاقتصاد، وتحقيق الاستقرار، وتعزيز القرار الوطني. لكن المال يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح وسيلة لشراء الولاءات وصناعة النفوذ وإدارة الآخرين من خلف الستار.
والأخطر من ذلك أن يعتاد صاحب المال على أن كل شيء يمكن شراؤه؛ فيظن أن الموقف يُشترى، والتحالف يُشترى، والولاء يُشترى، وحتى الصمت يمكن شراؤه.
لكن التاريخ والسياسة يقولان إن ما يُشترى بالمال قد يُباع بالمال نفسه.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم تملك من المال؟
بل: كم تملك من الثقة؟
فالدولة التي تثق بقوتها لا تحتاج إلى أن تُرعب جيرانها، ولا أن تشتري ولاءهم، ولا أن تستدعي الآخرين لحمايتها في كل أزمة. أما الدولة التي تُكثر من استعراض قوتها، بينما تبحث في الوقت ذاته عن مظلات خارجية تحميها من خصومها، فإن عليها أن تراجع مفهومها للقوة.
ليس عيبًا أن تطلب الدولة المساعدة عندما تحتاجها، فالعلاقات الدولية تقوم على التحالفات والمصالح. لكن العيب أن تُمارس سياسة القوة على الآخرين، ثم تكتشف عند أول اختبار أن القوة التي كانت تتحدث عنها تحتاج إلى قوة أخرى تحميها.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
أي تناقض هذا الذي تعيشه دولة تملك المال الكثير، لكنها تبحث عن الأمان خارج حدودها؟
ربما آن الأوان لإعادة تعريف القوة.
فليست القوة في أن تجعل الآخرين يطيعونك لأنك تدفع لهم، ولا في أن تجعلهم يصمتون لأنك تملك المال.
القوة أن تكون واثقًا من نفسك إلى الحد الذي لا تحتاج فيه إلى شراء أحد.