خدعة إخوان السودان .. من البندقية إلى مؤسسات الدولة لاستعادة النفوذ
الإثنين - 10 أغسطس 2026 - 12:14 ص
صوت العاصمة/ الخرطوم
تتجه معركة النفوذ في السودان إلى مرحلة أكثر تعقيداً، لا تقتصر على ساحات القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل مؤسسات الدولة والفضاء المدني بما يسمح للقوى التي راكمت نفوذاً سياسياً وعسكرياً خلال السنوات الماضية بالحفاظ على حضورها، حتى في حال التوصل إلى تسوية تنهي الحرب.
وفي تحليل نشره موقع سكاي نيوز عربية تحت عنوان «خدعة إخوان السودان.. من البندقية إلى الحكم»، برزت تصريحات المصباح طلحة، قائد كتيبة البراء بن مالك التابعة للحركة الإسلامية السودانية، بشأن عودة الكتيبة إلى الحياة المدنية، باعتبارها مؤشراً على محاولة إعادة التموضع خارج المشهد العسكري المباشر، والانتقال إلى مساحات أكثر تأثيراً داخل المجتمع ومؤسسات الدولة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل تصنيف الولايات المتحدة للحركة الإسلامية السودانية وكتيبة البراء بن مالك كمنظمتين إرهابيتين أجنبيتين، وربط واشنطن بين الكتيبة والحركة الإسلامية، بحسب ما أورده التحليل.
إعادة إنتاج النفوذ
لا تبدو عودة عناصر الحركة الإسلامية إلى المجال المدني، وفقاً لقراءة مراقبين أوردها التقرير، مجرد انسحاب من ساحات القتال، بل محاولة لإعادة تدوير النفوذ بأدوات مختلفة.
فبعد سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، واجهت شبكات الإسلاميين إجراءات استهدفت تفكيك منظومة التمكين التي رسخها النظام طوال ثلاثة عقود. غير أن هذه العملية لم تنجح، بحسب التحليل، في إنهاء نفوذ التنظيم بصورة كاملة، قبل أن يستعيد جزءاً كبيراً من حضوره عقب انقلاب أكتوبر 2021، ثم مع اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ويشير التقرير إلى أن التنظيم تمكن خلال هذه المرحلة من استعادة نفوذ داخل مؤسسات عسكرية وأمنية ومدنية، بالتوازي مع استمرار شبكة المصالح الاقتصادية والإعلامية التي أنشأها خلال سنوات حكم البشير.
وهنا تكمن خطورة المشهد: فبدلاً من تفكيك البنية التي أنتجت احتكاراً سياسياً واقتصادياً للدولة، قد تتحول الحرب إلى فرصة لإعادة إنتاجها تحت غطاء جديد.
وبحسب وجدي صالح، عضو لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، فإن الحركة الإسلامية اتبعت، منذ سقوط البشير، استراتيجيات متدرجة للحفاظ على نفوذها، بدءاً من محاولة إعاقة الانتقال المدني، مروراً بانقلاب أكتوبر 2021، وصولاً إلى الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، والتي يتهمها مراقبون بالسعي إلى الاستفادة منها لإجهاض المسار المدني.
ويكتسب هذا الطرح أهمية في ضوء ما أحدثته الحرب من انهيار واسع في مؤسسات الدولة، وتراجع للسلطة المدنية، وصعود لمراكز قوة مسلحة قادرة على فرض نفوذها خارج الأطر المؤسسية.
وبذلك لم تعد المعركة بالنسبة للقوى المتنافسة مجرد معركة للسيطرة على الأرض، وإنما باتت أيضاً معركة على من يمتلك الدولة بعد انتهاء الحرب.
فإذا انتهت المعارك من دون تفكيك شبكات النفوذ المرتبطة بالنظام السابق، فإن انتهاء الحرب قد لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة، بل ربما يمثل بداية صراع جديد حول مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن والاقتصاد والإدارة المدنية.
تغيير الأدوات لا للهدف
الانتقال من العمل المسلح إلى النشاط المدني يمكن أن يكون، في ظاهره، خطوة باتجاه إنهاء عسكرة السياسة، لكن المخاوف التي يطرحها التحليل تتمثل في احتمال استخدام هذا الانتقال لإعادة بناء النفوذ داخل المؤسسات الرسمية والمجتمع، خصوصاً إذا لم تترافق العودة إلى الحياة المدنية مع إجراءات واضحة للمساءلة وتفكيك شبكات التمكين.
وتزداد المخاطر عندما تكون المؤسسات نفسها قد تعرضت خلال سنوات الحرب لتغييرات واسعة، وسط اتهامات بإحلال عناصر موالية لقوى سياسية داخل أجهزة الدولة والخدمة المدنية والأجهزة العدلية والأمنية.
وفي هذه الحالة، فإن السيطرة على الدولة قد تصبح أكثر أهمية من السيطرة على الجغرافيا؛ لأن امتلاك المؤسسات يعني القدرة على التحكم في الاقتصاد والموارد والتعيينات والإعلام والقرار السياسي، حتى من دون الظهور في مقدمة المشهد العسكري.
ويحذر التحليل من أن استمرار الحرب قد يخدم، بصورة غير مباشرة، استراتيجية القوى التي ترى أن بقاء حالة الفوضى أفضل من العودة إلى انتقال مدني يفتح ملفات تفكيك التمكين ومكافحة الفساد والمساءلة.
ويشير الوزير السوداني الأسبق مهدي الخليفة إلى احتمال أن تتحول حسابات البقاء في السلطة إلى عامل يهدد وحدة البلاد، مستحضراً تجربة انفصال جنوب السودان عام 2011، بعد سنوات من الحرب والتسويات السياسية.
ووفق هذه القراءة، فإن بعض دوائر التنظيم قد تنظر إلى الاحتفاظ بنفوذ قوي داخل منطقة جغرافية محددة باعتباره خياراً أقل كلفة من خسارة السلطة والنفوذ بصورة كاملة، خصوصاً في ظل تعدد مراكز القوة وصعوبة استعادة السيطرة على كامل البلاد.
وهذا السيناريو، إذا تحقق، لن يكون مجرد تغيير في شكل السلطة، بل قد يقود إلى ترسيخ واقع جغرافي وسياسي جديد يفتح الباب أمام مزيد من التشظي.
السودان أمام «حرب ما بعد الحرب»
المفارقة الأخطر أن السودان قد يواجه، في حال عدم معالجة جذور الأزمة، ما يمكن وصفه بـ«حرب ما بعد الحرب»: صراعاً سياسياً ومؤسسياً بين شبكات النفوذ التي ستسعى إلى تحويل المكاسب العسكرية التي حققتها خلال القتال إلى نفوذ دائم داخل الدولة.
ومن هنا فإن أي تسوية سياسية لا تتضمن تفكيك شبكات التمكين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية، ومنع تحويل التشكيلات المسلحة إلى أذرع سياسية، قد تترك الباب مفتوحاً أمام إعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة.
فالمشكلة ليست فقط في من يسيطر على البندقية، وإنما في من سيحصل على مفاتيح الدولة بعد أن تصمت البنادق.
وبحسب التحليل، فإن انتقال القوى التي عززت نفوذها خلال الحرب إلى الفضاء المدني لا ينبغي أن يُفهم تلقائياً باعتباره نهاية لدورها العسكري، بل قد يمثل انتقالاً إلى مرحلة أخرى من الصراع، عنوانها السيطرة على مؤسسات الدولة وإعادة تشكيل النظام السياسي.
وفي النهاية، يبدو أن التحدي الأكبر أمام السودان لا يتمثل فقط في وقف إطلاق النار، بل في ضمان ألا تتحول التسوية إلى صفقة تعيد تدوير القوى التي ساهمت في إنتاج الأزمة، أو تسمح بإعادة بناء منظومة التمكين تحت مسميات جديدة. فـالسلام الحقيقي لن يكون مجرد إسكات للمدافع، وإنما استعادة للدولة من قبضة شبكات السلاح والنفوذ، وفتح الطريق أمام حكم مدني قادر على منع تكرار دورة الحرب والانقلاب والتفكك