إيـ.ـران تفتح جبهة نفوذ جديدة في السودان.. والحـ.ـوثيون قناة للدعم والتدريب
الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 - 12:13 ص
صوت العاصمة/ واشنطن
كشفت تقارير وتحليلات دولية عن تطور لافت في طبيعة الحضور الإيراني داخل المشهد السوداني، مع انتقال الدعم المقدم إلى أطراف متحالفة مع الجيش السوداني من مجرد إمدادات عسكرية إلى مؤشرات على نقل الخبرات والتقنيات، في تطور يفتح الباب أمام تمدد ما يعرف بـ«محور المقاومة» إلى إحدى أكثر ساحات الصراع حساسية في إفريقيا.
وتضع مجلة «فورين أفيرز» الأميركية السودان ضمن ساحات جديدة تتحرك فيها الشبكات المرتبطة بإيران، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على إعادة بناء قنوات التعاون بين طهران وشبكات إسلامية سودانية مرتبطة بالجيش، بالتوازي مع الحديث عن دور متنامٍ للحوثيين في نقل الخبرات التي راكموها خلال سنوات الحرب في اليمن.
وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية بسبب الموقع الجغرافي للسودان المطل على البحر الأحمر، وقربه من اليمن، بما يجعل أي انتقال للقدرات والخبرات العسكرية بين الضفة الغربية والشرقية للبحر الأحمر عاملاً إضافياً في تعقيد أمن واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
من توريد السلاح إلى نقل الخبرة
أحد أبرز التحولات التي تستوقفها التقارير يتمثل في أن العلاقة بين إيران وحلفائها لم تعد بالضرورة تقوم على تسليم الأسلحة الجاهزة فقط، وإنما باتت تعتمد بصورة متزايدة على نقل المعرفة والخبرات التي تمكن الجماعات المحلية من تطوير قدراتها بصورة أكثر استقلالية.
وكانت تقارير سابقة قد وثقت حصول الجيش السوداني على طائرات مسيّرة إيرانية خلال الحرب، بينها طائرات من طراز «مهاجر-6»، وهو ما اعتبرته مصادر غربية عاملاً مؤثراً في تغيير ميزان القوة في بعض مراحل القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأفادت «رويترز» في أبريل 2024 بأن الطائرات الإيرانية ساعدت الجيش السوداني على استعادة مناطق ووقف تقدم قوات الدعم السريع في عدد من المحاور.
غير أن المعطيات الأحدث تطرح سؤالاً مختلفاً: هل تتحول السودان من مجرد متلقٍ للسلاح الإيراني إلى ساحة لتوطين بعض الخبرات المرتبطة بمنظومة الصناعات العسكرية الإيرانية وحلفائها؟
وتشير تقارير بحثية وتصريحات لمسؤولين سابقين إلى وجود تعاون عسكري وتقني متزايد بين طهران وبعض الدوائر الإسلامية المرتبطة بالجيش السوداني، بما يشمل التدريب ونقل الخبرة والدعم للصناعات الدفاعية. وفي مارس 2026، نقلت وسائل إعلام دولية عن مسؤول أميركي أن عناصر مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين السودانية تلقت تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني، في حين تحدثت مصادر أخرى عن استمرار تدفق السلاح الإيراني إلى فصائل إسلامية متحالفة مع الجيش.
الحوثيون.. حلقة جديدة في شبكة النفوذ
الأكثر إثارة للقلق في هذه الصورة هو ما يرد في تقارير بحثية بشأن احتمال مشاركة الحوثيين في نقل الخبرة العسكرية إلى فصائل إسلامية سودانية.
فالتحول الذي طرأ على الجماعة الحوثية خلال سنوات الحرب في اليمن جعلها، وفق تحليلات دولية، أكثر من مجرد جماعة تتلقى الدعم الإيراني؛ إذ راكمت خبرات واسعة في تشغيل وتطوير منظومات عسكرية تعتمد على تقنيات إيرانية، الأمر الذي جعلها جزءاً من شبكة أوسع يمكن أن تنتقل عبرها الخبرات بين ساحات مختلفة.
وتشير تقارير إلى وجود اتصالات ونشاط لعناصر حوثية في السودان، وإلى احتمال مشاركة خبراء تابعين للجماعة في تدريب فصائل إسلامية متحالفة مع الجيش السوداني. ولا تعني هذه المعطيات، في ظل صعوبة التحقق المستقل من جميع تفاصيلها، أن وجود الحوثيين أو طبيعة دورهم في السودان باتت حقيقة مثبتة في كل جزئية، لكنها تكشف اتجاهاً يستحق المتابعة، خصوصاً مع تزامنها مع تنامي التعاون العسكري بين طهران والجهات المتحالفة مع الجيش السوداني.
ويأتي ذلك في وقت تشير فيه تقارير حديثة إلى أن إيران نفسها تواصل تعزيز قدرات الحوثيين. فقد أفادت «رويترز» في يوليو 2026 بأن طهران نقلت، بحسب مصادر مطلعة، عناصر من الحرس الثوري ومستشارين ومعدات مرتبطة بالصواريخ والمسيّرات إلى اليمن، في مؤشر على استمرار الاستثمار الإيراني في القدرات العسكرية للحوثيين.
وبذلك، فإن الخطر لا يكمن فقط في السلاح الذي تنتجه إيران أو ترسله إلى حلفائها، وإنما في نشوء شبكة تستطيع فيها جماعة مسلحة تلقت التدريب والخبرة من طهران أن تصبح بدورها قناة لنقل تلك الخبرة إلى جماعات أخرى.
تاريخ قديم يعود إلى الواجهة
ولا تبدو العلاقة الإيرانية السودانية وليدة الحرب الحالية. فخلال عهد الرئيس السوداني السابق عمر البشير، شهدت العلاقات بين الخرطوم وطهران تعاوناً سياسياً وأمنياً وعسكرياً واسعاً، قبل أن يعلن السودان قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران عام 2016 ضمن تحوله آنذاك نحو علاقات أوثق مع السعودية ودول الخليج.
وخلال سنوات التقارب السابقة، ارتبط السودان بشبكات إمداد إقليمية ونشاطات مرتبطة بالصناعات العسكرية، فيما تحدثت تقارير دولية عن استخدام الأراضي السودانية ضمن مسارات لتهريب الأسلحة في المنطقة. ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، أعادت طهران والخرطوم بناء علاقاتهما تدريجياً، وصولاً إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية.
وكانت المسيّرات الإيرانية من أبرز مظاهر هذا التقارب الجديد، إذ وثقت تقارير وصول أسلحة ومعدات إيرانية إلى الجيش السوداني، بالتزامن مع اعتماد القوات المسلحة السودانية بصورة أكبر على الطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية.
في المقابل، شهدت الحرب السودانية عودة واضحة لشخصيات وتشكيلات مرتبطة بالحركة الإسلامية ونظام البشير إلى واجهة المشهد العسكري.
وتبرز «كتيبة البراء بن مالك» باعتبارها إحدى أبرز التشكيلات الإسلامية التي قاتلت إلى جانب الجيش السوداني، بينما تصاعدت المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى إعادة تمكين شبكات الإسلاميين داخل المؤسسات العسكرية والأمنية.
وفي مارس 2026، ألقت السلطات السودانية القبض على قائد إسلامي مرتبط بالكتيبة بعد تصريحات أعلن فيها الاستعداد للقتال إلى جانب إيران، في واقعة عكست مدى تشابك بعض التيارات الإسلامية السودانية مع الصراع الإقليمي الأوسع.
كما أشارت تقارير إلى أن علاقة بعض الإسلاميين السودانيين بإيران تعود إلى عقود، وأن التعاون السابق لم يكن سياسياً فقط، بل شمل مجالات عسكرية وتقنية. وتعزز هذه المعطيات المخاوف من أن تتحول الحرب الحالية إلى فرصة لإعادة بناء شبكات سياسية وعسكرية كانت قد تراجعت بعد سقوط نظام البشير عام 2019.
«سفروق».. أسئلة حول توطين التكنولوجيا
ومن بين المؤشرات التي تثير نقاشاً واسعاً في هذا السياق ظهور طائرات مسيّرة سودانية تحمل تصاميم يقول خبراء إنها تشبه بدرجات متفاوتة نماذج إيرانية معروفة.
وإذا ثبت انتقال المعرفة التقنية إلى الداخل السوداني، فإن ذلك سيمثل تطوراً أكثر خطورة من مجرد استيراد الطائرات الجاهزة، لأن امتلاك القدرة على إنتاج أو تطوير هذه المنظومات محلياً يعني أن تأثير الدعم الخارجي يمكن أن يستمر حتى في حال توقف الإمدادات المباشرة.
وتتزامن هذه المخاوف مع تحول أوسع في طبيعة شبكات إيران الإقليمية؛ إذ تشير تحليلات حديثة إلى أن نقل تكنولوجيا المسيّرات والتدريب ساعد حلفاء طهران على امتلاك قدرات أكثر استقلالاً، بحيث لم تعد العلاقة قائمة بصورة كاملة على تسلم الأسلحة الجاهزة من إيران.
ويمنح الموقع الجغرافي للسودان هذه التطورات بعداً يتجاوز حدود الحرب الداخلية. فالساحل السوداني يقع مباشرة على البحر الأحمر، فيما يسيطر الحوثيون على مناطق واسعة من الساحل اليمني المقابل، الأمر الذي يجعل ظهور روابط عسكرية ولوجستية بين الطرفين تطوراً شديد الحساسية بالنسبة لأمن الملاحة الدولية.
وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الحوثيين قادرون على تحويل البحر الأحمر إلى ساحة ضغط دولي، بعدما استخدموا الهجمات البحرية والصواريخ والمسيّرات لتهديد حركة السفن التجارية، ما دفع الولايات المتحدة ودولاً أخرى إلى تعزيز الوجود العسكري لحماية الملاحة.
وتشير تحليلات متخصصة إلى أن إيران تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم أحد أهم عناصر نفوذها البحري، بالنظر إلى موقع اليمن على باب المندب وقدرة الجماعة على تهديد خطوط الملاحة في البحر الأحمر. ويخلق انتقال الخبرة أو القدرات المرتبطة بهذه الشبكة إلى السودان مستقبلاً شبكة نفوذ تمتد على جانبي البحر الأحمر، بما يزيد من حساسية المنطقة أمنياً واستراتيجياً.
نموذج جديد لـ«محور المقاومة»
تكمن خطورة هذه التطورات في أنها تعكس تحولاً في نموذج عمل الشبكات الإيرانية. فبدلاً من أن تكون إيران هي المصدر الوحيد للتدريب والتكنولوجيا والسلاح، أصبح بعض حلفائها يمتلكون قدرات تسمح لهم بنقل المعرفة إلى جماعات أخرى.
ويُعد الحوثيون نموذجاً واضحاً لهذا التحول؛ فقد ساعد الدعم الإيراني على تطوير قدراتهم العسكرية، بينما باتت الجماعة تمتلك بنية عسكرية وتقنية أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق. وتؤكد دراسات متعددة أن الدعم الإيراني كان عاملاً أساسياً في تطوير قدرات الحوثيين الصاروخية والمسيّرة وفي تمكينهم من إسقاط القوة خارج حدود اليمن.
وبالتالي، فإن الحديث عن السودان لا يتعلق فقط بعلاقة ثنائية بين طهران والخرطوم، وإنما باحتمال تشكل شبكة متعددة الحلقات: إيران توفر التكنولوجيا والخبرة، والحوثيون يمثلون إحدى القنوات التي راكمت خبرة تطبيقية في اليمن، بينما تستفيد منها جماعات مسلحة سودانية لديها أصلاً روابط أيديولوجية وسياسية مع طهران.
الخطر الأكبر في هذا المسار لا يتعلق فقط بموازين المعركة الحالية، بل بما يمكن أن يتركه نقل الخبرة العسكرية من آثار بعد انتهاء الحرب.
فإدخال قدرات عسكرية متقدمة إلى تشكيلات ذات طابع أيديولوجي، خارج السيطرة المؤسسية الكاملة للدولة، قد يجعل عملية تفكيك القوى المسلحة أكثر صعوبة، ويمنحها أدوات ضغط جديدة في مرحلة ما بعد الحرب.
كما أن استمرار الحرب وتعدد مصادر السلاح والدعم الخارجي يهددان بتحويل السودان إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوحة، بدلاً من أن يكون الصراع مجرد مواجهة داخلية بين طرفين سودانيين.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تحولت فيه المسيّرات بالفعل إلى عنصر رئيسي في الحرب السودانية، حيث وثقت تقارير صحفية استخدامها المكثف وتأثيرها المتزايد على المدنيين والبنية التحتية، ما يرفع كلفة استمرار تدفق هذه القدرات على السكان.
السودان أمام خطر «توطين» الصراع الإقليمي
وتشير الصورة التي ترسمها التقارير إلى أن الحرب السودانية قد تكون بصدد الدخول في مرحلة أكثر تعقيداً، لا تقتصر فيها التدخلات الخارجية على تمويل وتسليح أطراف الصراع، وإنما تمتد إلى بناء قدرات محلية قادرة على إنتاج واستخدام منظومات عسكرية بصورة أكثر استقلالاً.
وبينما لا تزال بعض تفاصيل الدور الحوثي المباشر في تدريب الفصائل السودانية بحاجة إلى مزيد من الأدلة والتحقق المستقل، فإن المؤكد هو وجود دعم إيراني للجيش السوداني، ووجود صلات تاريخية بين طهران والتيارات الإسلامية السودانية، إلى جانب امتلاك الحوثيين قدرات عسكرية متقدمة اكتسبوا جانباً مهماً منها عبر الدعم الإيراني.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: فالحرب التي بدأت باعتبارها صراعاً على السلطة داخل السودان قد تتحول تدريجياً إلى بوابة لإعادة تشكيل شبكات النفوذ الإقليمي، بحيث يصبح السودان حلقة جديدة في منظومة تمتد من إيران إلى العراق واليمن والبحر الأحمر، مع ما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على أمن السودان واستقرار القرن الإفريقي وسلامة الملاحة الدولية.
وإذا صحت التقارير التي تتحدث عن انتقال الخبرة الحوثية إلى فصائل إسلامية سودانية، فإن المسألة لا تعني مجرد حصول طرف سوداني على دعم عسكري إضافي، بل تعني انتقال نموذج «تصدير الخبرة» داخل الشبكات الإيرانية إلى ساحة إفريقية جديدة؛ وهو تطور قد يجعل آثار الحرب السودانية أكثر امتداداً وأصعب احتواءً حتى بعد توقف العمليات العسكرية