حين تتراجع السياسة.. تتقدم الثقافة: السرد العربي جسر يعيد وصل ما انقطع
السبت - 15 أغسطس 2026 - 01:47 ص
صوت العاصمة/ القاهره / نور علي صمد
في زمنٍ عربي مثقل بالأزمات والصراعات والانقسامات تبدو الثقافة أكثر من أي وقت مضى حاجة إنسانية وحضارية لا ترفا فكريا أو مساحة منفصلة عن واقع الناس فحين تضيق مساحات الحوار تبقى الكلمة قادرة على فتح النوافذ وحين تتباعد الجغرافيا وتختلف المواقف تظل الثقافة جسرا قادرا على جمع ما تفرّق وصون الذاكرة العربية من النسيان.
ومن هذا المنطلق جاء اللقاء الثقافي الذي احتضنه ملتقى السرد العربي الدائم بالعاصمة المصرية القاهرة بمشاركة عدد من الكتاب والشعراء والإعلاميين والمثقفين من مصر واليمن والجزائر وفلسطين وعدد من الدول العربية في مشهد يؤكد أن الثقافة لا تزال قادرة على صناعة مساحة مشتركة تجمع العرب بعيدا عن الاستقطابات السياسية والانقسامات الفكرية.
وقد شهد اللقاء استعراضا للتجربة الأدبية والثقافية للكاتبة وأمين عام الملتقى عزة عز الدين وما قدمته من أعمال وكتابات تناولت شخصيات وقامات عربية ومصرية بارزة في مجالات الأدب والشعر والفن والثقافة والعلم وبما يعكس أهمية السرد في توثيق الذاكرة الإنسانية وإبقاء التجارب المضيئة حاضرة في وجدان الأجيال.
وفي الملتقى جرى التأكيد على أهمية استضافة التجارب الإبداعية العربية والاحتفاء بأصحابها باعتبار أن الكتابة ليست مجرد إنتاج أدبي وإنما وسيلة لحفظ الذاكرة وتوثيق التحولات الاجتماعية والثقافية وإعادة تقديم الشخصيات المؤثرة للأجيال الجديدة بعيداً عن النسيان.
فما يميز الفعل الثقافي أنه لا يسأل الإنسان عن انتمائه السياسي أو الجغرافي قبل أن يفتح له مساحة للحوار.
فالقصيدة لا تعرف الحدود والرواية لا تتوقف عند نقاط التفتيش والكلمة الصادقة تستطيع أن تصل إلى الإنسان في أي مكان.
وفي ظل ما يشهده الوطن العربي من أزمات متلاحقة تزداد الحاجة إلى مثل هذه المنابر التي تتيح للمثقفين والكتاب والشعراء فرصة اللقاء والتعبير وتبادل التجارب وتعيد الاعتبار إلى القوة الناعمة للثقافة العربية التي ظلت تاريخيا واحدة من أهم عناصر التقارب بين الشعوب.
إن جمع مبدعين من اليمن والجزائر وفلسطين ومصر وسائر البلدان العربية حول طاولة واحدة ليس مجرد نشاط ثقافي عابر بل هو صورة مصغرة لما يمكن أن تكون عليه الوحدة العربية حين تبنى على المعرفة والحوار والاحترام المتبادل.
فالثقافة تستطيع أن تخلق لغة مشتركة حين تعجز السياسة عن ذلك وأن تمنح الناس فرصة لرؤية ما يجمعهم قبل أن ينظروا إلى ما يفرقهم.
حيث يكتسب السرد أهمية خاصة في هذه المرحلة لأنه يمنح الإنسان القدرة على إعادة قراءة واقعه واستحضار الماضي وفهم التحولات التي مر بها المجتمع العربي.
فمن خلال القصص والشهادات والتجارب الإنسانية تتحول الشخصيات والأحداث من مجرد أسماء في الذاكرة إلى تجارب حية تحمل دلالات للأجيال القادمة.
كما أن الاحتفاء بأعمال الكتاب والمثقفين وتقديم تجاربهم للجمهور يمثل نوعا من الوفاء للمنجز الثقافي العربي ويؤكد أن المجتمعات التي تحفظ ذاكرتها الثقافية أكثر قدرة على بناء مستقبلها بثقة ووعي.
وقد أجمع المشاركون في اللقاء على أهمية استمرار مثل هذه الندوات والفعاليات لما توفره من فرصة لإبراز أعمال المثقفين والكتاب العرب وتشجيع الحوار الثقافي وتعزيز التواصل بين المبدعين من مختلف البلدان العربية.
وفي نهاية المطاف قد تختلف السياسة وتتبدل المواقف لكن الثقافة تبقى المساحة الأوسع التي يستطيع فيها العربي أن يلتقي بأخيه العربي دون حواجز.
إنها الذاكرة التي تجمع والكلمة التي تقرّب والحكاية التي تمنح الإنسان فرصة لأن يرى الآخر لا بوصفه مختلفا بل بوصفه جزءا من قصة عربية واحدة.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه أسباب التباعد ربما تكون الثقافة هي الطريق الأكثر أمنا لاستعادة معنى القرب
فالأوطان قد تفصلها الحدود والسياسات قد تباعد بينه لكن القصيدة والرواية والحكاية قادرة دائما على أن تعيد وصل ما انقطع.