تقارير



حين تكشف الرياض أوراقها: هل ما زال البعض يبيع الجنوب بوابة الوهم السعودي

الإثنين - 17 أغسطس 2026 - 12:47 ص

حين تكشف الرياض أوراقها: هل ما زال البعض يبيع الجنوب بوابة الوهم السعودي

صوت العاصمة/ عدن


في السياسة، قد تكون التصريحات أحيانًا أكثر وضوحًا من البيانات الرسمية، وقد تكشف جملة واحدة ما تعجز عنه عشرات المؤتمرات واللقاءات المغلقة. وهذا تحديدًا ما يثير الجدل في حديث منسوب إلى عسكري سعودي برتبة لواء، قيل إنه يعرف تفاصيل واسعة عن دوائر القرار في الديوان الملكي، عندما تحدث عبر قناة «الجنوب اليوم» عن رؤية بلاده تجاه مستقبل اليمن.
المفارقة اللافتة أن الحديث، بحسب ما نُقل، لم يترك مساحة كبيرة للتأويل، إذ أكد أن الحسابات والاستراتيجية السعودية تقوم على الحفاظ على وحدة اليمن، وكرر العبارة مرتين بثقة واضحة. وإذا صحت نسبة التصريح ومضمونه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن موقف الرجل شخصيًا، بل عن التناقض بين هذا الطرح وبين الخطاب الذي يصر بعض المحسوبين على القضية الجنوبية في الرياض على تسويقه، والقائم على أن السعودية تدعم استعادة دولة الجنوب، وأن الطريق إلى الجنوب لا بد أن يمر من بوابة الرياض.
هنا تحديدًا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فإذا كانت الاستراتيجية السعودية المعلنة هي الحفاظ على وحدة اليمن، فمن غير المنطقي أن يستمر البعض في تقديم الرياض للجنوبيين باعتبارها الطرف الذي سيقود مشروع استعادة الدولة الجنوبية. وإذا كان العكس صحيحًا، فعلى من يروّج لهذا الخطاب أن يقدم للرأي العام الجنوبي تفسيرًا واضحًا: كيف يمكن لدولة تعلن تمسكها بوحدة اليمن أن تكون في الوقت نفسه الراعي لمشروع انفصال الجنوب واستعادة دولته؟
القضية ليست خلافًا على الكلمات، وإنما على مستقبل شعب كامل.
الجنوبيون لا يبحثون عن وعود مبهمة ولا عن تسريبات تُستخدم كلما احتاج البعض إلى رفع المعنويات. ما يحتاجه الجنوب هو موقف واضح وصريح من جميع الأطراف الإقليمية: هل يُعترف بحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي، أم أن المطلوب إبقاء القضية الجنوبية داخل إطار اليمن الموحد إلى أجل غير مسمى؟
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مصارحة حقيقية بدل الاستمرار في صناعة الآمال عبر أحاديث المجالس والتسريبات غير الرسمية.
ولعل الرسالة الأهم إلى أولئك الذين يرفعون خطابًا مغايرًا داخل الرياض هي: إذا كنتم مقتنعين بأن السعودية تدعم مشروع استعادة دولة الجنوب، فلماذا لا تذهبون إلى أصحاب القرار أنفسهم وتشرحون لهم أن الجنوب الذي يتحدث عنه الجنوبيون اليوم ليس جنوب عام 1990؟
الجنوب اليوم لديه ذاكرة سياسية مختلفة، وهوية سياسية واجتماعية متجذرة، وقضية تراكمت عبر عقود، وشعب يرى أن له حقًا في تحديد مستقبله. كما أن الحديث عن الجنوب لم يعد مجرد حنين إلى دولة سابقة، بل أصبح مرتبطًا برؤية سياسية تتعلق بالهوية والقرار والسيادة ومستقبل الموارد والمؤسسات.
ولهذا فإن محاولة اختزال القضية الجنوبية في ترتيبات مؤقتة أو تفاهمات بين القوى السياسية لن تنهيها. فالقضايا الكبرى لا تختفي بمجرد تأجيلها، وإنما تعود بصورة أكثر تعقيدًا عندما تتراكم الأزمات وتتسع الفجوة بين الواقع السياسي وتطلعات الناس.
أما الحديث عن أن «الجنوب لا يأتي إلا من بوابة الرياض»، فهو في حد ذاته يحتاج إلى مراجعة. فالرياض قد تكون لاعبًا إقليميًا مؤثرًا في المشهد اليمني، وقد تكون لها حساباتها ومصالحها وتحالفاتها، لكن مستقبل الجنوب في النهاية لا يمكن أن يُصنع في عاصمة أخرى بمعزل عن إرادة الجنوبيين أنفسهم.
ومن الخطأ أن يتحول الدور الإقليمي إلى بديل عن الإرادة الشعبية.
كما أن تحميل السعودية وحدها مسؤولية تحديد مستقبل الجنوب ليس واقعيًا، لأن الدول تتحرك وفق مصالحها وأمنها القومي وحساباتها الإقليمية. وما تراه الرياض مناسبًا لأمنها قد لا يكون بالضرورة مطابقًا لما يريده الجنوبيون. لذلك فإن الرهان السياسي الحقيقي يجب أن يقوم على امتلاك الجنوبيين لرؤيتهم وأدواتهم وقدرتهم على التعبير عن موقفهم بوضوح، بدل انتظار أن تأتي دولتهم من خلف الأبواب المغلقة.
وإذا كان التصريح المنسوب إلى اللواء السعودي قد قيل بالفعل بهذا الوضوح، فإن من واجب أصحاب الخطاب المؤيد لفكرة «الدعم السعودي لاستعادة الدولة» أن يعيدوا ترتيب خطابهم، لا أن يطلبوا من الناس تصديق رواية تتناقض مع تصريحات سعودية واضحة.
القضية ليست في إحراج أحد، ولا في الدخول في خصومة مع الرياض، وإنما في احترام عقول الناس.
فالجنوبي الذي يسمع مسؤولًا سعوديًا يتحدث عن وحدة اليمن، ثم يسمع في الوقت نفسه شخصيات جنوبية تقول إن السعودية تعمل من أجل استعادة دولة الجنوب، من الطبيعي أن يسأل: أي الروايتين نصدق؟
والإجابة لا يمكن أن تكون بالمزيد من الشعارات.
إذا كانت هناك بالفعل استراتيجية سعودية جديدة تجاه الجنوب، فلتُعلن بوضوح. وإذا كانت الرياض متمسكة بوحدة اليمن، فليكن ذلك واضحًا أيضًا، وليتوقف البعض عن بناء خطاب سياسي كامل على توقعات أو تسريبات أو اجتهادات شخصية.
أما إقناع القيادة السعودية بأن الجنوب له دولة وهوية وتاريخ وخصوصية سياسية، فهذه مسؤولية من يدّعي أنه يعمل من داخل الرياض من أجل القضية الجنوبية. فبدل أن يُطلب من الجنوبيين تصديق أن القرار السعودي أصبح في صف مشروعهم، الأولى أن يُشرح لأصحاب القرار أن القضية الجنوبية لم تعد تفصيلًا هامشيًا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية.
فالجنوب ليس ورقة تفاوضية عابرة، ولا مجرد جغرافيا يمكن إعادة توزيعها في غرف المفاوضات. إنه قضية شعب يرى أن له حقًا في اختيار مستقبله، وهذه الحقيقة ينبغي أن تكون حاضرة في أي نقاش إقليمي أو دولي حول مستقبل اليمن.
ولذلك فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى قدر أكبر من الصراحة، وأقل قدر من بيع الأوهام.
إذا كانت الرياض مع الجنوب، فلتقل ذلك بوضوح. وإذا كانت مع وحدة اليمن، فليتوقف البعض عن تقديمها للجنوبيين بصورة أخرى. وبين الموقفين تبقى الحقيقة الأهم: لا يمكن لأي عاصمة إقليمية أن تختصر إرادة شعب، ولا يمكن لأي خطاب سياسي أن يلغي حقيقة القضية الجنوبية.
وربما آن الأوان أن يتوقف بعض «رفاق الرياض» عن مطالبة الجنوبيين بالانتظار، وأن يبدأوا هم أولًا بإقناع من يتحدثون باسم سياسته بأن الجنوب الذي أمامهم اليوم ليس جنوب عام 1990، وأن أي مشروع مستقبلي لليمن لن يكون مستقرًا ما لم يُعالج جذور القضية الجنوبية بشجاعة ووضوح، بعيدًا عن سياسة المراوغة وتأجيل الاستحقاقات.
#الخذلان_السعودي_شجع_الحوثي



الأكثر زيارة


بطاقة عبدالله عادت من حضرموت.. أما صاحبها فدفن تحت التراب بع.

الأحد/16/أغسطس/2026 - 01:28 ص

في مشهد تختصر فيه مأساة الفقد بأقسى صورها، عادت بطاقة الشهيد عبدالله الحيدري من حضرموت، تحمل صورته واسمه ووثيقته، بينما لم يعد صاحبها؛ فقد بقي جسده تح


محسن عبيد من الرياض: لا حوار إلا بمشاركة قيادة الانتقالي "ال.

الأحد/16/أغسطس/2026 - 01:32 ص

وصف القيادي محسن عبيد، مقرر هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، أي حديث عن حوار بين قوى الجنوب بـ "حوار الطرشان"، نافياً وجود مصداقية في تصريحات رشاد


"ناشط سياسي: السعودية والشرعية انقلبتا على الزبيدي والانتقال.

الأحد/16/أغسطس/2026 - 01:59 ص

اتهم الناشط السياسي الصقر الهدياني السعودية والحكومة الشرعية اليمنية بالانقلاب على الرئيس عيدروس الزبيدي ومشروع المجلس الانتقالي الجنوبي، واصفاً ما جر


عاجل | من هنا انطلق الصاروخ الحو.ثي باتجاه مدينة المخا.. تفا.

الأحد/16/أغسطس/2026 - 10:36 ص

أفادت مصادر محلية، قبل قليل، بتجدد القصف المنسوب إلى مليشيا الحوثي على مدينة المخا، وسط حالة من التوتر والقلق بين الأهالي. ووفق المعلومات الأولية، أُط