موظفون أمميون خلف القضبان.. قيادة الأمم المتحدة تحت اتهام «الخذلان»
الجمعة - 21 أغسطس 2026 - 12:38 ص
صوت العاصمة/وكالات
في وقت تحتفي فيه الأمم المتحدة باليوم العالمي للعمل الإنساني، تبرز اليمن باعتبارها واحدة من أكثر الساحات التي تكشف الفجوة بين الخطاب الدولي حول حماية العاملين في المجال الإنساني وبين قدرة المؤسسات الأممية على توفير الحماية الفعلية لموظفيها. ويطرح تحليل نشره موقع «ذا نيو هيومانيترين» سؤالاً أكثر إحراجاً: ماذا يعني أن تعجز مؤسسات الإغاثة عن حماية العاملين الذين يخاطرون بحياتهم لخدمة المجتمعات المتضررة من الحرب؟
التحليل، الذي حمل عنوان «عندما تفشل مؤسسات الإغاثة في حماية أبنائها: الاختبار الأخلاقي الذي كشفته اليمن»، يضع ملف موظفي الأمم المتحدة المحتجزين لدى مليشيا الحوثي في صدارة أزمة أوسع تتعلق بتراجع مساحة العمل الإنساني وتحول العاملين في الإغاثة إلى أهداف للاعتقال والابتزاز والمحاكمات.
وتكتسب القضية خطورتها من أن الاحتجاز لم يعد، بحسب المعطيات التي يستند إليها التحليل، مجرد حوادث أمنية منفصلة، بل أصبح جزءاً من بيئة أكثر عدائية تجاه العمل الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين. وقد وثقت تقارير حقوقية وأممية احتجاز موظفين أمميين وعاملين في منظمات إنسانية، فيما أحالت سلطات الحوثيين عدداً من المعتقلين إلى محاكم تابعة لها.
وتأتي الأزمة اليمنية في سياق عالمي بالغ الخطورة بالنسبة للعاملين في المجال الإنساني. فمجلس الأمن أقر في مايو/أيار 2024 القرار 2730، الذي دعا الدول وأطراف النزاعات إلى احترام وحماية موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني، وطالب بتعزيز إجراءات المساءلة عن الهجمات والانتهاكات التي يتعرضون لها.
لكن استمرار الاعتقالات والانتهاكات في اليمن يطرح سؤالاً عملياً حول مدى قدرة هذه الالتزامات الدولية على الانتقال من نصوص وقرارات إلى حماية حقيقية على الأرض.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالموظفين المحليين، الذين يشكلون العمود الفقري للعمليات الإنسانية. فهؤلاء ليسوا مجرد مساعدين ميدانيين، بل يمتلكون المعرفة باللغة والمجتمع والبيئة المحلية، ومن دونهم تصبح قدرة المنظمات الدولية على الوصول إلى ملايين اليمنيين أكثر صعوبة.
ومع ذلك، فإن تعرض هؤلاء للاحتجاز يثير تساؤلات مؤلمة حول ما إذا كان التعامل المؤسسي مع الموظف الوطني يرقى إلى مستوى التعامل مع الموظف الدولي، خصوصاً أن غالبية المحتجزين في القضية اليمنية من اليمنيين.
أخطر ما في الأزمة أن الأمر تجاوز الاحتجاز إلى المحاكمات وأحكام الإعدام. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أصدرت محكمة تابعة للحوثيين أحكاماً بالإعدام بحق 17 شخصاً في قضية اتُهموا فيها بالتجسس، بينما أفادت تقارير بأن القضية شملت أشخاصاً مرتبطين بالعمل الإنساني والأمم المتحدة.
ووفق تقارير حقوقية، افتقرت هذه المحاكمات إلى ضمانات المحاكمة العادلة، وسط اتهامات باستخدام الاعترافات المنتزعة أثناء الاحتجاز وغياب ضمانات كافية للدفاع.
وهنا تتجاوز القضية حدود مصير موظفين محتجزين إلى اختبار لمبدأ حصانة العمل الإنساني نفسه. فإذا أصبح موظف الإغاثة عرضة للاعتقال والمحاكمة وربما الإعدام بسبب طبيعة عمله، فإن الرسالة التي تصل إلى العاملين الآخرين في اليمن وخارجه هي أن العمل الإنساني لم يعد يوفر الحد الأدنى من الحماية التي يفترض أن تكفلها القوانين الدولية.
المشكلة ليست في القرارات
المفارقة أن الأمم المتحدة ليست تفتقر إلى الأدوات القانونية والسياسية. فقرار مجلس الأمن 2730 وضع إطاراً واضحاً لحماية العاملين الإنسانيين، كما سبق أن دعا مسؤولو الأمم المتحدة إلى إنهاء الهجمات ضد موظفي الإغاثة ومحاسبة المسؤولين عنها. وفي أبريل/نيسان 2025، شددت الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن على أن حماية العاملين الإنسانيين تتطلب إجراءات ومساءلة، لا مجرد الإدانة.
لكن التحليل يوجه سهام النقد إلى بطء الاستجابة المؤسسية، معتبراً أن تعدد الإجراءات واللجان والمسارات البيروقراطية يمكن أن يتحول إلى بديل عن القيادة السياسية الحاسمة. وهذه هي النقطة الأكثر إحراجاً للأمم المتحدة: أن وجود القرار الدولي لا يعني بالضرورة وجود الحماية، ووجود البيانات لا يعني أن المعتقل سيعود إلى منزله.
فبالنسبة إلى الموظف المحتجز وأسرته، لا تُقاس الاستجابة بعدد البيانات الصادرة من نيويورك أو جنيف، وإنما بما إذا كانت هناك ضغوط سياسية ودبلوماسية حقيقية تقود إلى إطلاق سراحه.
في الحالة اليمنية، تبدو مليشيا الحوثي وكأنها تختبر باستمرار حدود ما يمكن أن تفعله تجاه الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني دون أن تواجه كلفة دولية توازي خطورة أفعالها.
فالاحتجاز المتكرر، ومداهمة المقار، وتقييد الحركة، وإحالة بعض المعتقلين إلى المحاكم، كلها مؤشرات على تآكل مساحة العمل الإنساني في مناطق سيطرة الجماعة. وقد وثق مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية تصاعد احتجاز موظفي الأمم المتحدة خلال 2025، مشيراً إلى أن عدد الموظفين الأمميين المحتجزين تجاوز 30 شخصاً في إحدى مراحل التصعيد.
والخطر هنا لا يقع على الموظفين وحدهم؛ فكل عامل إنساني يتم اعتقاله يعني عملياً تقليص قدرة المنظمات على الوصول إلى السكان المحتاجين. وبذلك يتحول استهداف العاملين في الإغاثة إلى وسيلة غير مباشرة للضغط على المجتمعات التي تعتمد على المساعدات.
اختبار أخلاقي للأمم المتحدة
الأكثر إثارة للقلق في التحليل هو تحميل قيادة الأمم المتحدة مسؤولية تتجاوز مجرد التفاوض على إطلاق سراح المعتقلين، لتشمل إعادة بناء ثقة موظفيها بأن المؤسسة التي يعملون لحسابها لن تتخلى عنهم في أصعب الظروف.
فالعامل الإنساني يقبل العمل في بيئة خطرة لأنه يفترض أن هناك منظومة مؤسسية تقف خلفه، وأن المخاطر التي يتحملها ليست مسؤولية شخصية يتحمل نتائجها بمفرده.
وعندما تتراجع هذه الثقة، يصبح الضرر أعمق من قضية اعتقال فرد أو مجموعة أفراد؛ إذ يمكن أن يمتد إلى معنويات العاملين، وقدرة المنظمات على استقطاب الكفاءات، واستمرار العمليات الإنسانية في أكثر البيئات خطورة.
ومن هنا تبدو دعوة التحليل إلى رفع الملف إلى أعلى مستوى سياسي داخل الأمم المتحدة منطقية، بما في ذلك التفكير في تعيين مبعوث خاص تكون مهمته الأساسية الضغط من أجل الإفراج عن العاملين الإنسانيين المحتجزين.
الرسالة الأوسع التي يحملها التحليل أن ما يحدث في اليمن لا ينبغي التعامل معه باعتباره ملفاً أمنياً محلياً أو نزاعاً بين الحوثيين والأمم المتحدة فقط. فالمسألة تمس مبدأً دولياً أساسياً: هل يستطيع العامل الإنساني أن يؤدي مهمته دون أن يتحول إلى رهينة لدى أطراف النزاع؟
فالقرار 2730 نفسه يؤكد أن حماية موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني مسؤولية يجب أن تحظى بالاحترام، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن المخاطر التي يواجهها العاملون تتزايد في مناطق النزاع، خصوصاً بالنسبة للموظفين الوطنيين والمحليين.
وبالتالي، فإن استمرار أزمة الموظفين المحتجزين في اليمن دون حل حاسم لا يبعث رسالة ضعف إلى العاملين الأمميين فحسب، بل قد يشجع أطرافاً أخرى في نزاعات مختلفة على اختبار الحدود ذاتها.
وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني، تبدو الرسالة التي يطرحها التحليل أكثر قسوة من مجرد الاحتفال: لا يكفي أن تكرم الأمم المتحدة العاملين الذين يخاطرون بحياتهم، إذا كانت عاجزة عن حماية من يعملون باسمها عندما يصبحون هم أنفسهم ضحايا.
إن التحدي الحقيقي أمام المنظمة الدولية ليس إصدار بيان جديد، وإنما إثبات أن حماية موظفيها جزء من مسؤوليتها الأساسية، وأن الاعتقال التعسفي للعاملين الإنسانيين لن يتحول إلى أمر اعتيادي يمكن احتواؤه بالبيانات والإجراءات البيروقراطية