بين جولات "الداعري" الميدانية وغياب "العقيلي".. منشور محذوف لفتحي بن لزرق يفتح عش الدبابير العسكري!
الخميس - 27 أغسطس 2026 - 08:29 م
صوت العاصمة/خاص:
بعد ساعات من حديثه الصريح عن تردي الأوضاع في عدن والمناطق المحررة، وجد الصحفي فتحي بن لزرق نفسه أمام مفارقة لافتة، بعدما اختفى منشور انتقاده وزير الدفاع طاهر العقيلي، عقب نشره بوقت قصير، الأمر الذي فتح باب التساؤلات حول الأسباب التي دفعته إلى التراجع عنه وحذفه.
المفارقة أن بن لزرق كان قد تحدث، أمس، عبر تلفزيون اليمن الحكومي الرسمي من عدن، بقدر كبير من الصراحة عن فشل الحكومة وتدهور الأوضاع الخدمية في عدن والمناطق المحررة، مؤكدًا أن الوضع بات أسوأ مما كان عليه في الفترة السابقة.
لكن يبدو أن مساحة الصراحة نفسها لم تكن واسعة بما يكفي لتستوعب منشورًا ينتقد وزير الدفاع؛ فسرعان ما اختفى المنشور من الصفحة، ليبدأ السؤال الأكثر إثارة للسخرية: لماذا نجحت الاتصالات في إحراج بن لزرق وإجباره على حذف منشوره، بينما لم تنجح الاتصالات ذاتها – إن كانت موجودة – في إقناع وزير الدفاع بأن موقعه العسكري يفرض عليه قدرًا أكبر من الانضباط والالتزام بطبيعة المهمة التي يتولاها؟
وإذا كان منشور بن لزرق قد احتاج إلى تدخلات واتصالات حتى يختفي، فهل كان المطلوب من الكاتب أن ينتقد الواقع ثم يمسح نقده عندما يصل إلى الأسماء الثقيلة؟ وهل أصبحت حرية التعبير قوية في مواجهة الحكومة والخدمات، لكنها تتعثر فجأة عند بوابة وزارة الدفاع؟
الأكثر إثارة أن بن لزرق، نفسه كان من أشد المنتقدين والسّاخرين من تصريحات وزير الدفاع السابق الفريق الركن الدكتور محسن الداعري، خصوصًا تلك المتعلقة بجاهزية القوات والتشكيلات العسكرية واستعدادها لخوض المعركة.
فقد كان الداعري، يتنقل بين الجبهات والتشكيلات العسكرية، من كتاف صعدة والجوف ومأرب، إلى المخا وتعز والساحل الغربي، وصولًا إلى الضالع ولحج وعدن، ومحوري شبوة وعتق، والمهرة وحضرموت، في إطار تفقد الجاهزية والاحتياجات العسكرية.
وكانت تلك المرحلة – وفق ما يطرحه بن لزرق نفسه في منشوره المحذوف – تشهد وجود قيادة وغرفة عمليات عسكرية في عدن، تخضع لها التشكيلات العسكرية ضمن قدر من وحدة القرار والقيادة.
أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة تمامًا، بحسب الانتقادات التي يوردها بن لزرق نفسه، إذ يطرح المنشور المحذوف تساؤلات حول قدرة وزير الدفاع الحالي على فرض توجيهاته على القوات الجنوبية والتشكيلات الحليفة، فضلًا عن ظروف وجوده خارج البلاد، ومدى توافقه مع مختلف الأطراف العسكرية والسياسية.
وهنا تحديدا تتضاعف المفارقة؛ فالرجل الذي كان يسخر من حديث وزير الدفاع السابق الداعري عن الجاهزية العسكرية، وجد نفسه – في منشوره الأخير – ينتقد وزير الدفاع الحالي ومظهره وتصريحاته وتاريخه العسكري، قبل أن يختفي المنشور سريعًا من الصفحة.
وبحسب ما ورد في المنشور المحذوف، لم يقتصر انتقاد بن لزرق للعقيلي على مسألة اللباس والمظهر، بل امتد إلى تقييم تجربته السابقة رئيساً لهيئة رئاسة الأركان، وما وصفه المنشور بالفشل والفساد والتعثر، إلى جانب التشكيك في قدرته على إدارة مؤسسة عسكرية بحجم وزارة الدفاع ومعركة بهذا التعقيد.
وإذا كان كل ذلك قد كُتب فعلا هذه الصراحة، ثم اختفى بعد وقت قصير، فإن السؤال لم يعد متعلقًا بمضمون المنشور وحده، بل بالسبب الذي جعل صاحبه يتراجع عنه.
هل كان الحذف نتيجة اتصال؟ أم نصيحة؟ أم ضغوط؟ أم أن بن لزرق اكتشف فجأة أن ما كتبه يحتاج إلى مراجعة بعد أن ضغط زر «النشر»؟
المفارقة هنا أن منشورا ينتقد وزير الدفاع لم يصمد طويلًا أمام الاتصالات، بينما تصريحات وزير الدفاع ومظهره وأداؤه – وفق رواية بن لزرق نفسه – يفترض أن تخضع لنقاش أكبر بكثير، باعتبار أن الأمر يتعلق بمنصب عسكري رفيع ومسؤولية يفترض أنها مرتبطة مباشرة بحرب مستمرة وتضحيات يومية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا يستطيع زر الحذف الإجابة عنه: إذا كان المنشور واقعيًا ومنطقيًا كما بدا من مضمونه، فلماذا حُذف؟ وإذا كان غير دقيق، فلماذا نُشر أصلًا؟
أما بن لزرق، الذي ظهر أمس شجاعًا في الحديث عن فشل الحكومة وسوء الخدمات، فقد أثبت اليوم أن أصعب اختبار للشجاعة الصحفية ليس انتقاد الأداء العام، وإنما القدرة على إبقاء المنشور قائمًا عندما يبدأ الهاتف بالرنين.