مداد العاصمة



حين يغيب الكتاب.. تسقط الأقنعة عن تعليم بلا روح

السبت - 29 أغسطس 2026 - 12:33 ص

حين يغيب الكتاب.. تسقط الأقنعة عن تعليم بلا روح

صوت العاصمة/ بقلم: أبو ناصر فانون السنيدي



في اللحظة التي يُعلن فيها بدء العام الدراسي تُضاء الأضواء وتُرفع الرايات وتتردد العبارات المحفوظة عن «جيل المستقبل» و«أمانة التربية»، لكن خلف هذا المسرح اللامع يسكن سؤال مظلم: كيف نعلّم جيلاً بلا كتاب؟

كيف نزرع في أرضٍ سُلبت بذورُها قبل أن تُحرث؟
إن مأساة التعليم لا تبدأ حين يتأخر المعلم ولا حين تكتظ الفصول، بل حين يُفتح باب المدرسة ويُغلق باب المعرفة في وجه من دخلها. هناك في تلك الفجوة الصامتة بين الجرس والحقيقة يولد الخلل الأول ويتشظى الوعد التربوي إلى شظايا لا تلمّها الشعارات.

اغتيال للعقل قبل الورق
حين يغيب الكتاب المدرسي لا يغيب غلافٌ وورقٌ وحبر، بل يغيب وطنٌ صغير كان يمكن أن يسكنه عقل طالب. يغيب النص الذي يعلّم الصغير أن يسأل، والصورة التي تفتح عينيه على عوالم لم يطأها، والكلمة التي تشعل في رأسه أول شرارة تأمل.

إن انتزاع الكتاب من يد المتعلم ليس تأجيلاً لتوزيع مقرر، بل هو اقتلاع لحقّه في أن يكون شريكاً في صناعة وعيه لا مجرد متلقٍّ سلبي لما يُلقى عليه.
التعليم الذي يُترك فيه الطالب بلا كتاب كمن يُؤمر بالسفر بلا خريطة ثم يُلام إن ضل الطريق.

لذلك لا يجوز أن نمر على هذه الأزمة مرور الكرام بذريعة أنها مشكلة طباعة أو نقص توزيع سيُعالج "لاحقًا". فكلمة "لاحقًا" في التعليم لا تعني أسبوعاً أو شهراً، بل تعني جيلاً كاملاً يشبّ على فكرة أن النقص طبيعي وأن الانتظار فضيلة وأن حقه في المعرفة قابل للتفاوض.

تعليم الاستسلام
وهنا تتكشف الكارثة الأعمق. حين نعلّم أطفالنا أن الكتاب ليس أولوية، فنحن لا نعلّمهم القراءة فحسب، بل نعلّمهم أن يقبلوا بأنصاف الحلول وأن يطأطئوا رؤوسهم أمام أنصاف الحقوق.
وأي تربية هذه التي تبدأ بتعليم الاستسلام؟

إننا لا نتحدث عن رفاهية تعليمية، بل عن شرط الوجود الحضاري. فالأمة التي تُدخل أبناءها مدارس بلا كتب كمن يبني قصراً بلا أساس أو يزرع صحراء بلا ماء ثم يقف ينتظر الربيع.

أليس من المفارقة المُرّة أن نطلب من هذا الجيل أن يبتكر ويبدع ويقود بينما نحرمه أبسط أدوات الفهم؟ أن نتحدث عن اقتصاد المعرفة ونحن عاجزون عن توفير المعرفة في أبسط صورها؟
إن الفجوة بين شعاراتنا وواقعنا لا يقاس عرضُها بالأميال، بل بالسنوات الضوئية من الضمير الغائب والإرادة المستنزفة.

الدولة تنظر للمدرسة كمبنى لا كمعمل عقول
والمصيبة أن هذا الغياب هو تجسيد لسياسة دولة مريضة تنظر إلى التعليم كإجراء إداري يجب أن يستمر لا كمشروع وجودي يجب أن يُبنى.

هذه الدولة ترى في المدرسة مبنى يفتح أبوابه صباحاً ويغلقها مساءً لا معملاً لصناعة العقول. ترى في المعلم موظفاً يؤدي حصة لا رسولاً يوقد قناديل. ترى في الطالب رقماً في كشف حضور لا روحاً تبحث عن معنى.

ومتى حكمت هذه الدولة أصبح الكتاب مجرد «بند» في ميزانية يُؤجل كما تُؤجل صيانة الأرصفة، وكأننا نتحدث عن ديكور لا عن مصير.

وهكذا تكتمل ملامح "اختلال معادلة التعليم المتكامل": طرفٌ غائب هو الكتاب، وطرفٌ حاضر هو الشكل، وبينهما فراغٌ يمتد كصحراء لا يعبرها إلا من خُلق ليضيع.

عقد مع التخلف
إننا حين نقبل بهذا الاختلال نكون قد وقعنا عقداً غير معلن مع التخلف، ووقّعنا بأيدينا على تأجيل أحلام أطفالنا إلى أجل غير مسمى.
وحين نصحو متأخرين سنجد أن الجيل الذي حرمناه من الكتاب قد أصبح جيلًا لا يقرأ، لا لأنه لا يريد، بل لأننا لم نمنحه من البداية ما يقرأ ولم نغرس فيه أن القراءة حق لا ينتظر.

الخلاصة: الكتاب هو الذاكرة
لذلك تظل الحكاية أبعد من كتاب مدرسي وأعمق من أزمة توزيع. إنها حكاية وطن يقف على مفترق طرق:
إما أن يعيد للكتاب قداسته فيبدأ من حيث تبدأ الحضارات،
أو يظل يدير طقوساً تعليمية فارغة ويطلق على الرماد اسم الجمر.

والفرق بين الطريقين ليس في الوزارات والإدارات، بل في قناعة واحدة: أن طفلاً بلا كتاب هو أمة بلا ذاكرة، وأن أمة بلا ذاكرة لا تملك مستقبلاً بل تملك فقط فصولاً تُفتح على سراب.



الأكثر زيارة


"جريمة بشعة" .. انتقالي الضالع يعزي أسرة الصبيحي ويطالب بالق.

الجمعة/28/أغسطس/2026 - 01:21 ص

عبرت الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي بمديرية الضالع عن خالص تعازيها وعظيم مواساتها لاسرة الشباب بسام الصبيحي الذي فار


أزمة الغاز تخنق عدن.. طوابير طويلة ومعاناة تتفاقم وسط غياب ا.

الجمعة/28/أغسطس/2026 - 01:04 ص

تدخل أزمة الغاز المنزلي في العاصمة عدن مرحلة أكثر حدة، مع استمرار شح الكميات المعروضة في الأسواق ومحطات البيع، وازدياد أعداد المواطنين الباحثين عن أسط


عودة نشاط بائعي الحطب في العاصمة عدن بسبب أزمة الغاز المنزلي.

الجمعة/28/أغسطس/2026 - 12:10 ص

استعاد بائعو الحطب في العاصمة عدن نشاطهم القديم، وهو تقليد يمتد لعقود، حيث يجلبون حطب الطهي ويتنقلون في أحياء المدينة لتقديم حزم الحطب التي تُحمل على


المستشار الطبي بالسفارة اليمنية في الهند يطمئن على صحة المنا.

الجمعة/28/أغسطس/2026 - 01:13 ص

اطمأن المستشار الطبي بسفارة الجمهورية اليمنية في الهند، الدكتور أنيس العفيفي، على صحة المناضل علي مطلق صالح الجعشاني عقب خروجه من غرفة العمليات. حيث أ