مداد العاصمة



الجنوب.. القضية التي لا يجوز للعرب مواصلة الهروب منها

الأحد - 30 أغسطس 2026 - 12:55 ص

الجنوب.. القضية التي لا يجوز للعرب مواصلة الهروب منها

صوت العاصمة/ كتب / محمد صالح حسن


هل آن أوان تصحيح أخطاء الماضي قبل أن تدفع المنطقة ثمناً جديداً؟

هناك قضايا يمكن تأجيلها، وقضايا يمكن تدويرها في أروقة السياسة، لكن هناك قضايا مصيرية يصبح تأجيلها بمرور الوقت جزءاً من المشكلة نفسها. وقضية الجنوب اليمني واحدة من هذه القضايا.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن تجاهل قضية الجنوب لم يؤدِّ إلى إلغائها، ولم ينجح في إضعاف حضورها، بل جعلها أكثر رسوخاً في الوعي السياسي والشعبي، وأكثر ارتباطاً بمستقبل اليمن والمنطقة.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم بوضوح: إلى متى سيستمر التعامل مع قضية الجنوب باعتبارها ملفاً يمكن تأجيله، بينما تُدار بقية الأزمات اليمنية وكأنها منفصلة عنها؟

الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها أن الأزمة اليمنية لا يمكن أن تجد طريقها إلى الحل المستدام من دون معالجة جذور قضية الجنوب.

فمنذ حرب عام 1994، دخل الجنوب مرحلة سياسية مختلفة، وتراكمت خلال العقود التالية مشكلات سياسية واقتصادية وحقوقية وأمنية، حتى أصبحت القضية الجنوبية أحد أبرز عناوين المشهد اليمني. ومع ذلك، ظلت المعالجات في كثير من الأحيان تدور حول القضية بدلاً من الدخول إلى جوهرها.

وهنا تكمن المشكلة.

لا يمكن بناء سلام حقيقي فوق قضية جرى تأجيلها لعقود.

ولا يمكن أن يكون الحل بإعادة إنتاج الصيغ القديمة نفسها، أو بتقديم تسويات شكلية لا تستجيب لتطلعات شعب الجنوب، ثم انتظار نتائج مختلفة.

أخطاء الماضي لا ينبغي أن تتحول إلى سياسة دائمة

لقد دفعت المنطقة العربية ثمناً باهظاً نتيجة تجاهل الأزمات في مراحلها المبكرة.

ومن الصومال إلى العراق، ومن السودان إلى اليمن، مروراً بأزمات عربية أخرى، تتكرر القاعدة ذاتها: تبدأ المشكلة صغيرة أو قابلة للاحتواء، ثم يأتي التأجيل، ثم تتراكم الاحتقانات، ثم تتحول الأزمة إلى صراع مفتوح يصعب التحكم في مساراته.

والسؤال هنا ليس: لماذا لم تُحل هذه القضايا في الماضي؟

بل السؤال الأهم: لماذا نكرر اليوم الأخطاء نفسها؟

إن الاستمرار في إدارة الأزمة اليمنية بالطريقة ذاتها، مع تأجيل القضية الجنوبية، يعني ببساطة تأجيل الانفجار السياسي بدلاً من صناعة السلام.

والسياسة الحكيمة لا تقيس نجاحها بعدد السنوات التي تمكنت خلالها من تأجيل المشكلة، وإنما بقدرتها على حلها.

الجنوب ليس هامشاً في معادلة الأمن الإقليمي

هناك من يتعامل مع قضية الجنوب باعتبارها شأناً يمنياً داخلياً محدود التأثير، وهذا تقدير يفتقر إلى قراءة جغرافية وسياسية دقيقة.

فالجنوب يقع على مساحة جغرافية شديدة الحساسية، ويمتلك سواحل واسعة ومنافذ بحرية استراتيجية، ويطل على طرق الملاحة الدولية وممرات حيوية للتجارة والطاقة، وفي مقدمتها باب المندب.

ولهذا فإن أمن الجنوب واستقراره ليسا قضية محلية معزولة عن محيطها.

أمن الجنوب جزء من أمن البحر الأحمر، وأمن الملاحة جزء من أمن المنطقة.

وأي قراءة استراتيجية تتجاهل هذه الحقيقة ستكون قراءة ناقصة، لأن استقرار الأرض التي تتحكم في هذه الجغرافيا لا يمكن فصله عن استقرار الممرات البحرية المحيطة بها.

ومن هنا، فإن معالجة قضية الجنوب بصورة عادلة لا ينبغي أن تُفهم على أنها تنازل سياسي، وإنما باعتبارها استثماراً في الاستقرار والأمن الإقليميين.

لا يمكن اختزال قضية الجنوب في منصب أو حكومة

من الأخطاء التي طالما رافقت التعاطي مع القضية الجنوبية محاولة اختزالها في ترتيبات حكومية، أو توزيع مناصب، أو شراكة مؤقتة في مؤسسات السلطة.

هذه الإجراءات قد تكون جزءاً من أي تسوية سياسية، لكنها لا تمثل بالضرورة حلاً للقضية نفسها.

فالقضية أكبر من حكومة، وأكبر من حقيبة وزارية، وأكبر من تمثيل سياسي مؤقت.

إنها قضية شعب يطرح تصوراً واضحاً لمستقبله السياسي، وتؤكد قواه السياسية أن مطلبه يتمثل في استعادة دولته كاملة السيادة.

وقد يكون من حق أي طرف أن يختلف مع هذا المطلب أو يناقشه سياسياً، لكن ليس من الواقعية إنكار وجوده أو التعامل معه وكأنه مجرد تفصيل عابر.

الاعتراف بالواقع هو بداية الحل

الحلول السياسية الجادة تبدأ من الاعتراف بالواقع، لا من محاولة إنكاره.

وإذا كانت هناك رغبة حقيقية لدى الأطراف الإقليمية والدولية في إنهاء الأزمة اليمنية، فإن أول خطوة ينبغي أن تكون فتح حوار جاد ومباشر مع ممثلي الجنوب، حواراً نديّاً وعادلاً، لا حواراً يهدف إلى فرض نتيجة مسبقة.

فالجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الوعود المؤجلة، ولا إلى لجان جديدة تعيد إنتاج النقاش نفسه، ولا إلى حلول ترقيعية تمنح الأزمة فترة إضافية من الهدوء قبل أن تعود بصورة أكثر تعقيداً.

ما يحتاجه هو مسار سياسي واضح، وضمانات حقيقية، وحوار يعترف بالقضية كما هي، ويضع خيارات شعب الجنوب وتطلعاته على طاولة التفاوض.

الوقت لم يعد في صالح المماطلة

لقد أُهدرت سنوات طويلة.

والأخطر من ذلك أن استمرار إهدار الوقت اليوم قد يجعل كلفة الحل غداً أعلى بكثير.

فالسياسة ليست سباقاً لإثبات من يستطيع الصمود أكثر، وإنما فن اقتناص اللحظة المناسبة لصناعة التسوية قبل أن تصبح التسوية أكثر صعوبة.

وإذا كانت تجارب العقود الماضية قد علمتنا شيئاً، فهو أن القضايا التي يتم تجاهلها لا تموت؛ بل تتراكم.

وكلما طال التأجيل، اتسعت الفجوة بين الواقع والحلول المقترحة.

ولهذا فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة حل الأزمة.

آن الأوان لقرار سياسي شجاع

لا يحتاج اليمن والمنطقة إلى مزيد من البيانات التي تؤكد الحرص على السلام، بل إلى قرارات سياسية شجاعة تفتح الطريق أمام سلام حقيقي.

والسلام الحقيقي لا يعني أن ينتصر طرف على طرف، وإنما يعني أن يشعر أصحاب القضية بأن حقوقهم وتطلعاتهم وضعت على الطاولة بجدية، وأن مستقبلهم لن يُقرر بعيداً عنهم.

إن قضية الجنوب ليست عقبة أمام السلام؛ تجاهلها هو العقبة.

وليست المشكلة في الاعتراف بأن للجنوب قضية، وإنما المشكلة في الاستمرار في إنكارها ثم البحث عن حلول لأزمة اليمن وكأن الجنوب مجرد تفصيل جغرافي.

لقد حان الوقت لأن تتوقف القوى اليمنية والإقليمية والدولية عن الدوران حول الحقيقة.

الحقيقة أن للجنوب قضية، وأن لهذه القضية شعباً وتاريخاً وتطلعات سياسية واضحة، وأن أي تسوية لا تضع هذه الحقيقة في قلبها ستظل تسوية مؤقتة قابلة للانهيار.

ومن مصلحة العرب قبل غيرهم أن يتعلموا من أخطاء الماضي.

فالعالم العربي لا يحتمل أزمة جديدة تُدار بعقلية التأجيل، ولا يحتاج إلى صراع جديد يُضاف إلى قائمة الصراعات المفتوحة.

إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه يبدأ من الشجاعة في الاعتراف بالمشكلات كما هي، لا كما نريد لها أن تكون.

آن الأوان لحوار حقيقي مع الجنوب، حوار لا يقوم على الإملاء، ولا على الالتفاف، ولا على شراء الوقت، وإنما على الندية والوضوح والعدالة، وصولاً إلى حل يترجم إرادة شعب الجنوب، ويضع أساساً أكثر صلابة لأمن اليمن والمنطقة واستقرارها.

فقد علّمنا التاريخ أن تجاهل القضايا المصيرية لا يلغيها.

بل يجعل ثمن حلها أكثر ارتفاعاً.

*محمد صالح حسن*
ناشط حقوقي وإعلامي – كاتب صحفي



الأكثر زيارة


عبدالله مهدي.. رجلٌ تصنعه المواقف.

السبت/29/أغسطس/2026 - 02:09 ص

عبدالله مهدي سعيد في الضالع ليس مجرد قائد أو شخصية سياسية واجتماعية، بل نموذج لرجل جمع بين الشجاعة والحكمة والفصاحة والهيبة والتوازن. رجلٌ يعرف كيف يت


من حتم إلى جيش مكتمل الأركان .. مسيرة بناء القوة الجنوبية.

السبت/29/أغسطس/2026 - 01:03 ص

تتجاوز تجربة القوات المسلحة الجنوبية في السنوات الأخيرة حدود المواجهات العسكرية المباشرة، لتشكل مساراً متدرجاً لإعادة بناء القوة الجنوبية وتنظيمها في


عدن مدينة تتآكل تحت وطأة الأزمات والخدمات المنهارة.

السبت/29/أغسطس/2026 - 01:07 ص

لم تعد عبارة «عدن بخير» التي يروجها اعلام السلطة قادرة على الصمود أمام مشهد يومي يراه المواطن بعينيه ويعيشه بكل تفاصيله. فبينما تتكرر التصريحات التي ت


المحرّمي يعقد اجتماعاً عبر الاتصال المرئي مع قيادة محور المش.

السبت/29/أغسطس/2026 - 08:23 م

عقد عضو مجلس القيادة الرئاسي، القائد العام للقوات المسلحة الجنوبية، القائد عبدالرحمن المحرّمي، اليوم، اجتماعاً عبر الاتصال المرئي مع قيادة محور المشاة