اقتصاد إيـ.ـران يئن تحت وطأة الحـ.ـرب والعقوبات
الإثنين - 31 أغسطس 2026 - 12:14 ص
صوت العاصمة/وكالات
تتزايد الضغوط على الاقتصاد الإيراني مع دخول الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل شهرها السادس، في وقت بدأت فيه كلفة المواجهة العسكرية والعقوبات الأميركية تظهر بصورة أكثر وضوحاً على التجارة والأسواق والقدرة المالية للحكومة، بينما تكثف واشنطن حربها الاقتصادية لتجفيف مصادر تمويل طهران وشبكاتها المالية الخارجية.
وأقر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن الصادرات والواردات تراجعت بنحو 35% نتيجة العقوبات الأميركية والحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، بالتزامن مع وصول معدل التضخم السنوي إلى 66% خلال الشهر الماضي، في مؤشرات تعكس اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي الإيراني عن الصمود وبين الضغوط التي يواجهها الاقتصاد والمواطنون.
ويكشف اعتراف الحكومة بتراجع التجارة بهذا الحجم أن تداعيات الحرب لم تعد محصورة في القطاعات العسكرية أو النفطية، بل امتدت إلى النشاط التجاري وتدفق السلع والأسواق المحلية، الأمر الذي يضاعف الضغوط على العملة والأسعار وفرص العمل.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أعلنت الحكومة الإيرانية أن مواجهة الأزمة الاقتصادية أصبحت أولوية، مع التركيز على كبح التضخم وضبط الأسواق وخلق فرص العمل وتوجيه الاستثمارات نحو الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الدولار.
لكن هذه التعهدات تصطدم بواقع اقتصادي أكثر تعقيداً؛ فارتفاع التضخم إلى 66% يعني أن الأسر والشركات تتحمل بصورة مباشرة كلفة العقوبات والحرب، فيما يؤدي اضطراب التجارة وتراجع تدفقات النقد الأجنبي إلى تضييق قدرة الحكومة على دعم الأسواق والحفاظ على استقرار الأسعار.
ولم يقتصر القلق على الحكومة، إذ دعا المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى التعامل بجدية مع تحديات التضخم والبطالة والأسعار وإدارة أسواق السلع والخدمات، في إشارة إلى أن الأزمة باتت تمثل تحدياً سياسياً واجتماعياً إلى جانب كونها أزمة مالية.
ورغم العقوبات والقيود على التجارة، ظل النفط أحد أهم منافذ التنفس أمام الاقتصاد الإيراني. وقال بزشكيان إن إيران تمكنت من بيع نحو 90 مليون برميل خلال فترة التهدئة القصيرة التي سمحت فيها مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن في يونيو باستئناف مبيعات النفط.
لكن انتهاء تلك الترتيبات أعاد الضغوط إلى الواجهة، خصوصاً مع عودة العقوبات وتشديد القيود على شبكات تصدير النفط وتحويل عائداته إلى موارد مالية قابلة للاستخدام. وتظهر الإجراءات الأميركية أن واشنطن لا تستهدف صادرات النفط فقط، بل تحاول ضرب البنية المالية التي تسمح لطهران بتحويل الإيرادات والالتفاف على العقوبات.
وفي أحدث تصعيد، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على رضا محمد تأييدي، مدير فرع بنك ملي الإيراني في دبي، وعلى شركة مقرها هونغ كونغ، متهمة إياهما بتسهيل وصول جهات إيرانية خاضعة للعقوبات إلى النظام المالي الدولي.
كما اقترحت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية FinCEN إجراءات تمنع فرع بنك مصر في الإمارات من الوصول إلى المؤسسات المالية الأميركية عبر علاقات المراسلة المصرفية، معتبرة أن الفرع يمثل قناة مهمة للوصول الإيراني إلى الدولار. وقالت الخزانة الأميركية إن البنك عالج نحو 1.8 مليار دولار بين يناير 2024 ويونيو 2026 لصالح 103 شركات يُحتمل ارتباطها بشبكات مصرفية إيرانية غير رسمية.
ولا تبدو هذه الإجراءات معزولة، إذ كثفت وزارة الخزانة خلال الأشهر الماضية استهداف شبكات الصرافة والشركات الوهمية والوسطاء الذين تستخدمهم إيران لتحريك الأموال والإيرادات النفطية بعيداً عن العقوبات. وفي أغسطس وحده، قالت الوزارة إنها استهدفت شبكات متعددة الدول لتحويل مئات الملايين من الدولارات لصالح النظام الإيراني.
وبذلك تتحول المعركة الاقتصادية إلى استهداف متدرج لـمصادر الإيرادات وقنوات تحويل الأموال والوصول إلى الدولار، وهي أدوات ترفع كلفة الالتفاف على العقوبات وتحد من قدرة طهران على تمويل اقتصادها والحرب وشبكاتها الإقليمية.
وفي المقابل، لا تزال إيران تستخدم مضيق هرمز كورقة استراتيجية في المواجهة، وهو ممر كان يمر عبره قبل الحرب نحو 20% من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. لكن استمرار اضطراب الملاحة لا يضغط على خصوم إيران وحدهم، بل يضيف أعباء على الاقتصاد الإيراني نفسه، الذي يعتمد على التجارة والطاقة والتدفقات الخارجية.
وتظهر بيانات الملاحة استمرار انخفاض حركة السفن عبر المضيق، في ظل استمرار الخلافات بشأن إعادة فتحه بشكل كامل، بينما تتواصل جهود إقليمية لإعادة المسار الدبلوماسي واحتواء تداعيات الحرب.
وتبدو الحكومة الإيرانية أمام معادلة شديدة الصعوبة: الحرب تستنزف الموارد، والعقوبات تضيق قنوات التمويل، والتضخم يضغط على المواطنين، بينما يؤدي تراجع التجارة إلى تقليص قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.
وتزداد خطورة الوضع مع تشدد واشنطن في تطبيق العقوبات الثانوية، إذ باتت الشركات والبنوك الأجنبية مطالبة بالموازنة بين استمرار تعاملاتها مع إيران وبين مخاطر فقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي. وقد بدأت تداعيات هذا الضغط تظهر في البيئة التجارية الإقليمية، مع تراجع الدور التجاري لدبي كقناة رئيسية للتجارة الإيرانية بعد تشديد الإجراءات الأميركية والإماراتية