حين تُفكَّك الجبهة الجنوبية: من يتحمّل كلفة إضعاف الحليف الجنوبي؟
الخميس - 03 سبتمبر 2026 - 11:05 م
صوت العاصمة/ كتب / وليد قحطان محمد
في ظل حالة الاضطراب والتخبط السياسي التي تشهدها المحافظات الجنوبية، تبرز أسئلة كبيرة حول مستقبل المشهد الأمني والعسكري والسياسي، خصوصاً في وقت تتصاعد فيه التهديدات الحوثية على الجبهات، وتتواصل المخاطر التي تستهدف الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
ففي الوقت الذي يحتاج فيه الجنوب إلى مزيد من التماسك وتوحيد الصفوف لمواجهة التهديدات الأمنية والعسكرية، جاءت التحولات السياسية والعسكرية الأخيرة لتدفع نحو إضعاف أحد أبرز المكونات الجنوبية التي كانت حاضرة سياسياً وعسكرياً وأمنياً في المشهد خلال السنوات الماضية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للجنوب، الممتد على سواحل بحر العرب وخليج عدن وبالقرب من باب المندب، وهو موقع يجعل استقرار المحافظات الجنوبية جزءاً لا يتجزأ من أمن الملاحة والتجارة الدولية. وقد شهد أغسطس/آب 2026 هجوماً حوثياً على سفينة شحن قرب باب المندب، أسفر وفق تقارير عن مقتل ستة أشخاص، بينهم أفراد من طاقم السفينة وعناصر شاركوا في عملية الإنقاذ.
إضعاف الحليف أم إعادة ترتيب المشهد؟
إن تقييم تجربة المكون الجنوبي لا ينبغي أن يكون من زاوية سياسية ضيقة فقط، بل من منظور أوسع يتعلق بالتوازن الأمني والعسكري في المنطقة.
فخلال السنوات الماضية، استطاع هذا المكون بناء حضور سياسي وأمني وعسكري واسع في عدد من المحافظات الجنوبية، وأصبح طرفاً مؤثراً في معادلة السلطة والأمن. وتشير تحليلات مستقلة إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي كان يمتلك حضوراً سياسياً داخل مؤسسات الدولة، إلى جانب تشكيلات أمنية وعسكرية واسعة الانتشار في الجنوب.
لكن التطورات التي شهدها الجنوب منذ نهاية عام 2025 وبداية عام 2026 أدت إلى تغيير كبير في هذه المعادلة، وصولاً إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي في يناير/كانون الثاني 2026، وهو تطور وصفته تحليلات سياسية بأنه نقطة تحول مهمة في المشهد الجنوبي.
وهنا يطرح الشارع الجنوبي سؤالاً مشروعاً:
هل كان إضعاف المكون الجنوبي وإعادة تفكيك بنيته السياسية والعسكرية خطوة نحو الاستقرار، أم أنه أدى عملياً إلى إضعاف جبهة كانت تمثل إحدى أدوات مواجهة التهديد الحوثي؟
الحوثي يستفيد من الانقسام
في الحروب والصراعات، لا تُقاس قوة الخصم بالسلاح الذي يمتلكه فقط، وإنما بقدرته على استثمار نقاط ضعف خصومه.
وأي انقسام سياسي أو أمني داخل المحافظات الجنوبية يمكن أن يتحول إلى فرصة للحوثيين، خصوصاً مع استمرار التهديدات على خطوط الملاحة في البحر الأحمر. ففي يوليو/تموز 2026 أعلنت جماعة الحوثي استهداف ناقلتين نفطيتين سعوديتين في البحر الأحمر، بينما حذرت الأمم المتحدة من أن التصعيد البحري يمكن أن يدفع اليمن إلى صراع أوسع.
ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق فقط بمستقبل مكون سياسي جنوبي، وإنما بمسألة أكبر: كيف يمكن بناء جبهة جنوبية متماسكة قادرة على حماية الأرض والسكان والممرات البحرية، في ظل استمرار التهديدات؟
الجنوب بحاجة إلى شراكة لا إلى إقصاء
إن معالجة الخلافات الجنوبية لا يمكن أن تكون عبر الإقصاء أو تفكيك القوى الموجودة على الأرض، كما أن الحفاظ على الأمن لا يعني بالضرورة استمرار الصراعات السياسية.
الحل الأكثر واقعية هو الوصول إلى صيغة جنوبية تجمع بين القرار السياسي المسؤول، والمؤسسة الأمنية والعسكرية المنضبطة، والشراكة بين القوى الجنوبية، واحترام تطلعات المواطنين، ومنع تحويل الخلافات الداخلية إلى ثغرات يستفيد منها الخصوم.
فالجنوب لا يحتاج إلى مزيد من المعسكرات السياسية المتصارعة، بقدر ما يحتاج إلى رؤية واضحة تضع أمنه واستقراره ومصالح أبنائه فوق الحسابات المؤقتة.
سؤال المرحلة
اليوم، وبعد ما شهده الجنوب من تحولات عميقة، لم يعد السؤال فقط: من انتصر سياسياً؟
بل السؤال الأهم:
ماذا خسر الجنوب عندما أُضعف مكون كان يمثل جزءاً من معادلة القوة على الأرض؟ وماذا سيكسب إذا استمر الانقسام في وقت تتزايد فيه التهديدات الحوثية على الجبهات والممرات البحرية؟
إن تقييم تجربة الحليف الجنوبي يجب أن يكون بعيداً عن العاطفة والتقديس أو التخوين؛ فما نجح يجب الحفاظ عليه، وما أخفق يجب إصلاحه، وما تسبب في الانقسام يجب معالجته.
لكن الثابت أن تفكيك أي قوة جنوبية دون إيجاد بديل سياسي وأمني قادر على ملء الفراغ قد يخلق فراغاً أخطر من المشكلة التي كان يراد حلها.
فالجنوب اليوم أمام اختبار تاريخي: إما أن تتحول الخلافات السياسية إلى مشروع لإعادة بناء مؤسسات قوية وشراكة جنوبية حقيقية، أو أن يستمر الانقسام ليمنح خصوم الجنوب مزيداً من المساحة للتحرك.
وفي زمن تتعرض فيه الملاحة الدولية للخطر، وتستمر فيه التهديدات العسكرية، فإن إضعاف الجبهة الداخلية لا يخدم سوى الفوضى، بينما يبقى التماسك السياسي والأمني هو خط الدفاع الأول عن الجنوب ومصالحه.