الحلقة الخامسة .. تمرد الأشقاء
الجمعة - 04 سبتمبر 2026 - 11:15 م
صوت العاصمة/ إعداد د. فؤاد علي ناصر الحاج
قطر والإمارات وعُمان حين تم رفض الوصاية
المقدمة: الشقيق الذي قال "لا"
في الخامس من يونيو 2017، فعلت السعودية ما لم تفعله مع أي عاصمة عربية من قبل: أعلنت قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية والبرية والجوية مع قطر — شقيقة عضو في مجلس التعاون ذاته. وقفت معها الإمارات والبحرين ومصر، وأعلنوا قائمة مطالب من 13 بندًا، من بينها إغلاق قناة الجزيرة، وتخفيض العلاقات مع إيران، وإغلاق القاعدة العسكرية التركية، ودفع تعويضات.
كان الرهان الرياضي بسيطًا: دولة بحجم شبه جزيرة صغيرة، معزولة برًا وبحرًا وجوًا، ستنهار خلال أشهر وتأتي مطأطئةً الرأس.
لكن ما حدث كان العكس تمامًا. وبعد ثلاث سنوات ونصف، وقّع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بنفسه على وثيقة العُلا في الخامس من يناير 2021، معيدًا فتح الحدود — دون أن تحقق الرياض مطلبًا واحدًا من مطالبها الثلاثة عشر.
*هذه الحلقة تروي ثلاث قصص: قطر التي صمدت، والإمارات التي تحولت من أقرب الحلفاء إلى أخطر المنافسين، وعُمان التي حافظت على استقلالها بأسلوب مختلف تمامًا — الصمت الدبلوماسي.*
*الفصل الأول:*
*قطر الحصار الذي ولّد دولة*
الخامس من يونيو 2017: إغلاق الشريان
في يوم واحد، أُغلقت الحدود البرية الوحيدة لقطر (منفذ أبو سمرة السعودي)، وحُظرت الملاحة الجوية القطرية من أجواء أربع دول، وسُحبت السفارات. كان المنفذ البرّي يمر عبره نحو 40% من واردات قطر الغذائية، وكان الناس يرون صورًا لأبقار تنزل من طائرات الشحن — لأن لبن الصباح كان أول ما انقطع.
الحجة الرسمية: "دعم قطر للإرهاب" و"القرابة مع إيران". لكن الجميع فهم أن السبب الحقيقي هو قناة الجزيرة ودور الدوحة الإقليمي المستقل وعلاقتها بجماعة الإخوان — أي: قطر لم تكن دولةً تابعة.
*المطالب الـ13: فضيحة البيانات*
حين نُشرت قائمة المطالب عبر وسيط كويتي، ارتدت على الرياض عالميًا. فالمطالب لم تكن حوارًا بين دول، بل كانت وثيقة استسلام: تسليم مطلوبين، خفض التمثيل الدبلوماسي مع إيران، إغلاق منصات إعلامية، مراقبة مالية من الخارج.
رفضت الدوحة المطالب جملةً وتفصيلًا، ووصف وزير خارجيتها محمد بن عبدالرحمن آل ثاني الوثيقة بأنها "مصممة لرفضها". لاحقًا، اعترف مسؤولون خليجيون بأن الإفراط في المطالب كان خطأً استراتيجيًا أطال أمد الأزمة ومنح قطر مظلة المظلومية الدولية.
*كيف صمدت قطر؟*
*السؤال الذي حيّر الرياض: كيف صمدت دولة بسكان أقل من ثلاثة ملايين؟*
*أولاً*: صندوق الثروة السيادي. امتلك صندوق قطر للاستثمارات احتياطيات مالية هائلة نسبةً لحجم السكان، مكنته من شراء سلاسل إمداد بديلة — تركيا للغذاء، وإيران للطيران (فتحت أجواءها لطيران القطري، وأرسلت شحنات غذاء)، وعُمان وإيران والكويت كمنافذ بحرية وجوية.
*ثانياً*: القاعدة الأمريكية. بقي ثُلث مقر القيادة الوسطى الأمريكية (العديد) على الأرض القطرية، ولم تجرؤ الرياض على أي خطوة تقرب من تهديده — ما منح الدوحة درعًا أمنيًا من نوع لم يمتلكه أي محاصَر سابق.
*ثالثاً*: الحليف التركي. رفعت تركيا مستوى وجودها العسكري في قطر، وتحول الرئيس أردوغان إلى خط دفاع سياسي صريح، حتى في ذروة التهديدات السعودية بحفر "قناة سلوى" لفصل قطر جغرافيًا.
*رابعاً*: التماسك الداخلي. بدل أن يشق الحصار الشارع القطري، عمّقه. فالحصار الخارجي على دول الخليج قلما يفشل أكثر مما يفشل عندما يتحول إلى تماسك داخلي.
يناير 2021: المصافحة في العُلا
في الخامس من يناير 2021، وقّع القادة الخليجيون إعلان العُلا بحضور مستشار الرئيس الأمريكي آنذاك — وانتهى الحصار كما بدأ: ببيان. لم تُغلق الجزيرة، ولم تُطرد القوات التركية، ولم يدفع القطريون تعويضًا. وفي ديسمبر 2021، زار محمد بن سلمان الدوحة، ثم استضافت قطر كأس العالم 2022 بحضور ولي العهد السعودي في المدرجات.
*الخلاصة القطرية باتت درسًا في الكتب: الحصار عزّز الدولة المحاصَرة ووهن الدولة المحاصِرة.*
فقدت الرياض مليارات الدولارات من التجارة المتبادلة، وخسرت مصداقيتها كراعٍ لمجلس التعاون، واكتسبت قطر استقلالًا سياديًا وعلاقات دولية (من طهران إلى واشنطن إلى أنقرة) تتجاوز ما كانت ستحلم به.
*الفصل الثاني:
*الإمارات الحليف الذي أصبح مرآة من غرفة العمليات المشتركة إلى السجال العلني*
في 2015، كانت السعودية والإمارات جناحَ تحالف واحد في اليمن، يتقاسمان الغرف والأموال والأهداف. لكن بحلول 2019، انسحبت أبوظبي عمليًا من المواجهة مع الحوثيين وتحولت إلى بناء علاقاتها في الجنوب — دعمًا للمجلس الانتقالي الجنوبي .
أصبح اليمن مختبرًا لتحول أعمق: فقد كانت السعودية تتصرف تحت يافطة الأخت الكبرى التي تشعر بأنها يجب أن تطاع، وتتعامل مع الإمارات وكأنها تلميذ في فصل دراسي يحكمه أستاذ متسلط
وفق مركزية وفق ثقافة مستمدة من ما تظن أنه نفوذها، بينما كانت الإمارات تبني علاقات موازيةً (المجلس الانتقالي، القوات المسلحة الجنوبية) خارج مفهوم الوصاية، وما فيش حد أكبر من حد.
*المنافسة الاقتصادية:* الرياض تريد ما تملكه دبي
مع "رؤية 2030"، دخلت الرياض سباقًا مباشرًا مع دبي: تريد أن تصبح مركزًا ماليًا ولوجستيًا وترفيهيًا للمنطقة — أي بالضبط ما بنته الإمارات على مدى أربعين عامًا. تحولت العلاقة إلى منافسة على الاستثمارات الأجنبية والشركات الإقليمية ومقراتها.
وخارج الجزيرة العربية توسعت المنافسة: في السودان، وفي القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تتسابقان على الموانئ والجزر.
*ما معنى هذا التحول؟*
*المفارقة الكبرى*:
أخطر تحدٍ لوصاية الرياض لم يأتِ من طهران ولا من ثورات الربيع، بل من شركائها الذين ضاقوا ذرعا بتصرفاتها، الإمارات تملك ما لا تملكه الرياض: اقتصادًا مُنوَّعًا فعلًا، ولديها علاقات وقدرة على التحرك دون العبء الديمغرافي والديني الذي يثقل القرار السعودي.
*الإمارات اليوم ليست الأخ الأصغر"،* بل منافسٌ يعرف نقاط ضعف الرياض لأنه كان يجلس في غرفتها المغلقة. وهذا أخطر يعني *رفض الوصاية*: الذي يعرف كواليس القصر، لأن السعودية ترى لها احقية وتعتبر نفسها الأخت والوصية في الخليج واليمن والسودان وكل مكان.
*الفصل الثالث: عُمان — الاستقلال بالحياد*
*نموذج قابوس: الصمت كسياسة*
بينما تحاصر السعودية وتقصف وتغازل، اختار السلطان قابوس بن سعيد طريقًا ثالثًا: الحياد الفعلي. فعُمان — الدولة الخليجية الوحيدة تقريبًا — لم تدخل حرب اليمن 2015 (اكتفت بحياد هادف ووساطات خلفية)، ولم تشارك في حصار قطر 2017، ولم تقطع علاقاتها مع إيران قط في أي لحظة.
كان قابوس يلخص فلسفته في مبدأ بسيط: نحافظ على علاقات طيبة مع الجميع لأننا لا نستطيع خوض عداوات الجميع. والنتيجة؟ عندما احتاج الأمريكيون والإيرانيون قناة سرية للتفاوض حول الملف النووي، كانت مسقط هي القناة — التي انتهت إلى الاتفاق النووي 2015.
المصيدة الجغرافية والفرصة الجغرافية
عُمان دولة محاصرة جغرافيًا: حدود برية مع السعودية واليمن الإمارات، ومضيق هرمز الذي تمر عبره ثلث نفط العالم على مرمى بصر من سواحلها. هذه الضعف كان قابوس يحوله إلى قوة: فمن يمسك بالحياد عند مفترق الطرق يصبح حاجزًا لا يمكن تجاوزه ولا الاستغناء عنه.
ومع بورت الدقم وممره الاقتصادي، فتحت مسقط بوابتها على المحيط الهندي خارج نفوذ الجار الأكبر — ما أعطاها بديلًا لوجستيًا حين أرادت، أوراقًا للمقايضة حين احتاجت.
*فصل_هيثم: التوازن الجديد*
بعد وفاة قابوس عام 2020 وولاية هيثم بن طارق، توقع كثيرون في الرياض انكسار النموذج العُماني. لكن هيثم أثبت استمرارية الحياد مع لمسة عملية: فتح خطٍ استثماري مع السعودية (مشروعات الربط والمنطقة الاقتصادية) دون التخلي عن العلاقة الإيرانية ودون الانخراط في أي محور. الزيارات المتبادلة بين مسقط والرياض، والرياض وطهران في آن واحد هي خلاصة "عُمان الجديدة": تبقى الجميع يحتاجها، ولا تكون تابعة لأحد.
*عُمان لم "تتمرد" بصوتٍ عالٍ كقطر؛ لقد تمردت بالصمت — وكانت النتيجة واحدة: لا أحد يملك قرارها.*
*الخلاصة:*
*ثلاثة أدبيات ضد الوصاية*
تكشف الحالات الثلاث عن حقيقة مركزية: وصاية الرياض لم تسقط بالمواجهة العسكرية، بل بفشل أدواتها أمام دول صغيرة امتلكت الثلاثة الآتية:
*أولاً:* بديلٌ اقتصاديٌ أو استراتيجي. قطر وجدت تركيا وإيران وتركيا وأمريكا (العديد)، وعُمان وجدت المحيط الهندي والحياد، والإمارات وجدت اقتصادًا وعلاقات دولية تتجاوز مجلس التعاون.
*ثانياً:* تماسكٌ داخلي. الحصار الذي يشق المجتمع ينجح؛ والحصار الذي يوحّده ينقلب. لم يحدث في قطر ولا في عُمان ما حدث في اليمن ولا في ليبيا — لأن الدولة لم تنهَر من الداخل.
*ثالثاً:* تحالفٌ خارجيٌ لا يمكن تجاهله. الثالوث الأمريكي-التركي-الإيراني حمى قطر؛ والحياد حمى عُمان؛ والتنوع حمى الإمارات. أما من واجه الرياض بلا مظلة (اليمن) فدفع الثمن الأغلى.
*السؤال الذي تطرحه هذه الحلقة للحلقة الختامية:*
*إذا كانت الدول الصغيرة قد أفلتت فما الذي تبقى من إمبراطورية الوصاية"؟*
*وهل ما نشهده هو انتقالٌ من هيمنةٍ سعوديةٍ أحادية إلى تعدديةٍ إقليميةٍ — أم مجرد استراحةٍ قبل هيمنةٍ جديدةٍ بأدواتٍ مختلفة؟*
*في الحلقة الختامية:*
*"سقوط إمبراطورية الوصاية — هل انتهى زمن الهيمنة السعودية؟*
(جاهزة في الملف)
*ملاحظة تحريرية:* أحداث هذه الحلقة (حصار قطر 2017-2021، إعلان العُلا، التحولات الإماراتية، نهج عُمان) موثقة في بيانات رسمية وتقارير أممية وتغطية إعلامية دولية مكثفة.