العقيلي والزيارة الملغومة إلى حدود الدم والكرامة والثبات
الخميس - 10 سبتمبر 2026 - 01:21 م
صوت العاصمة/كتب/ د. يحيى شايف ناشر الجوبعي:
أ- المقدمة:
في لحظات التحول التاريخي المفصلية لا تقاس الأحداث بحجم التحركات الميدانية المباشرة فحسب ، بل بالدلالات والرسائل المتوارية خلفها.
تأتي عملية اعتراض وزير الدفاع طاهر العقيلي في محافظة الضالع وتطويقه لتفتح ملفا شائكا يتجاوز مجرد حادثة أمنية عابرة على خطوط التماس ليغوص في عمق معادلات الصراع السياسي والعسكري المعقد في اليمن والجنوب.
إن هذه التحركات المريبة التي جاءت مترافقة مع تطورات عسكرية متسارعة وانتكاسات ميدانية متلاحقة بفعل الخيانة في كل من جبهات مأرب والجوف وتعز والساحل الغربي تضع المنطقة أمام استحقاقات بالغة الخطورة وتعيد رسم حدود المناورة السياسية والعسكرية.
ب- تحليل الموضوع
تقدم هذه الدراسة تحليلا متواضعا من خلال الاشتغال على النقاط المحورية الآتية :
أولا : الدوافع الخفية والسياق السياسي للزيارة.
لم تكن زيارة العقيلي إلى محافظة الضالع خطوة بروتوكولية لتفقد الخطوط الأمامية ، بل حملت في طياتها أبعادا استعراضية واستفزازية تحاول فرض واقع سياسي وعسكري جديد .
فالضالع باعتبارها قلعة الصمود والرمزية العسكرية والسياسية للمشروع الجنوبي ظلت لعشر سنوات جبهة قتال مشتعلة ضد الحوثيين ولا زالت الدماء تنزف يوميا حتى اليوم ، إذ لا زالت تدار ذاتيا وتمتلك زمام المبادرة دون حاجة لغطاء مؤسسي صوري من قبل ممن أثبت عجزهم في الميادين الأخرى ومن هذا المنطلق يستنتج الآتي :
١- حاول العقيلي عبر دخوله المتخفي وموكبه المخادع التقاط صور استعراضية لإرسال إشارات للإقليم والدول الراعية بأن المحافظة باتت تحت إدارة سلطة الوصاية السعودية وأذرعها من قوى الاحتلال اليمني الإرهابية المتخادمة الحوثية منها والإخوانية وتجاوز القيادة الجنوبية المتمثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس والقائد الأعلى للقوات المسلحة الحنوبية .
٢- هدفت الزيارة إلى إحداث شرخ عميق وأزمة ثقة حادة بين السلطة المحلية والتشكيلات العسكرية الجنوبية من جهة وبين أسر الشهداء وشرائح المقاومة الصامدة من جهة أخرى.
٣-تجاهل هذا التحرك الميداني للعقيلي سجل الوزارة الحافل بتهميش القوات الجنوبية واستحقاقات المئات من المبعدين والمتقاعدين قسرا مما جعل الزيارة تبدو كمحاولة لذر الملح على جراح لم تندمل .
ثانيا : رد المقاومة الجنوبية والدلالات والأبعاد العسكرية.
أثبت الاستجابة الفورية لأبناء الضالع ورجال ردفان ويافع وطور الباحة وعدن وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرة وعموم القوات الجنوبية أن الجاهزية العسكرية واليقظة السياسية في أعلى مستوياتها.
لم يكن احتجاز الموكب ومحاصرته مجرد رد فعل عاطفي بل عمل إستراتيجي مدروس أرسل رسائل حازمة لكل الأطراف ولها فمحور الرسالة ومضمونها الإستراتيجي يكمن في ١- الردع الميداني من خلال التأكيد على أن الأراضي الجنوبية ليست مسرحا مفتوحا للمناورات السياسية أو فرض الوصاية بالإكراه. ٢- فرض شروط صارمة لإتمام أي تسوية تشمل الإفراج عن القيادات والضباط الجنوبيين المحتجزين (مثل الداعري والمقرحي).
٣-التكامل الجغرافي من خلال إثبات سرعة النكف والقبيلة والانتشار التكاملي بين كل قبائل الجنوب العربي مما يظهر وحدة الصف الجنوبي.
ثالثا : انهيار الساحل الغربي وترابط الجبهات
تزامنت هذه المغامرة غير المحسوبة في الضالع مع تدهور دراماتيكي متسارع في جبهات الساحل الغربي ومأرب والجوف وتعز بفعل الخيانة من قبل قوى الإصلاح الإخوانية الشمالية حيث تشير المعطيات الميدانية والشهادات إلى تساقط المواقع الحيوية في كل هذه الجبهات نتيجة خيانات وضغوط غير متكافئة وقطع خطوط الإمداد والإسناد الجوي عن القوات المرابطة هناك.
تدهور جبهة المخاء والساحل وانسحاب القوات إلى معسكر العمري ومحاولات تفريغ العاصمة عدن كمخطط للتسلل وفرض واقع جديد فيها.
إن سحب وإفراغ بعض القوات والوحدات الجنوبية الضاربة (مثل العمالقة ودرع الوطن) باتجاه جبهات الحدود كيافع والضالع يخشى أن يكون جزءا من مخطط أوسع يهدف إلى كشف ظهر العاصمة عدن وتدبير انسحابات تكتيكية تسمح بتقدم قوات أخرى لإعادة السيطرة على العاصمة والشريط الساحلي تحت ذرائع إعادة التموضع.
رابعا:التحليل السياسي
من المنظور الاستراتيجي
تبرز هذه التطورات مجموعة من الحقائق المفصلية:
١-فشل سياسة فرض الوصاية ؛ إذ أثبتت التجربة التاريخية أن المشاريع السياسية التي تفرض عبر أدوات هشة أو تحت مظلة الدعم الخارجي دون الاستناد إلى قاعدة شعبية حقيقية تتهاوى عند أول اختبار ميداني.
٢-مركزية القضية الجنوبية ؛ إذ لا يمكن التعاطي مع جبهات الجنوب باعتبارها مجرد بيادق في شطرنج الصراع الإقليمي.
إن الجغرافيا الجنوبية ممتدة من المهرة إلى باب المندب محمية بإرادة شعبية وقوة عسكرية صلبة ترفض المساومة على خياراتها السياسية.
٣-إن العبث بإدارة الجبهات وقطع الذخائر والعتاد عن القوات الجنوبية المرابطة لسنوات واستفزاز مشاعر ذوي الشهداء يضعف جبهة مواجهة المشروع الحوثي ، مما يتطلب من المملكة النزول من الأبراج العاجية والاعتذار للجنوب عن احداث مطلع يناير ٢٠٢٦م وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل قصف طيرانها للقوات الجنوبية التي حرارت حضرموت والمهرة من الإرهابيين إن كانت صادقة فعلا في القضاء على المشروع الحوثي .
ج- الخاتمة:
تظل الضالع كما كانت دوما الرقم الصعب والحد الصلب الذي تتكسر عليه كافة الرهانات الخاطئة.
إن حادثة العقيلي والتحركات المترافقة معها ليست سوى تذكير بليغ لكل القوى الدولية والإقليمية والمحلية بأن إرادة الشعوب لا تشترى بالمال ولا تفرض بالوصاية.
إن الحفاظ على الأمن والاستقرار في الجنوب وصون دماء الشهداء وإعادة القوات الجنوبية إلى مواقعها الاستراتيجية لحماية العاصمة والجبهات الحدودية هي السبيل الوحيد لدرء الفوضى وتأمين المنطقة أمام الأطماع والتمددات المعادية للمشروع العربي .