تقارير



من الساحل إلى الجبل.. كيف تتحرك خريطة الـ.ـحرب في اليمن؟

الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 - 12:11 ص

من الساحل إلى الجبل.. كيف تتحرك خريطة الـ.ـحرب في اليمن؟

صوت العاصمة/ متابعات



لم تعد التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن مجرد جولة جديدة من تبادل الهجمات على خطوط تماس قديمة. ما يتغير هذه المرة هو اتجاه الحركة على الخريطة: من الساحل الغربي نحو المرتفعات، ومن المدن والمناطق المنخفضة إلى الجبال التي تتحكم في طرق الوصول إليها.

وخلال سبتمبر الجاري اتسعت رقعة القتال لتشمل الساحل الغربي ومحيط باب المندب وكهبوب والوازعية وتعز، بالتزامن مع نشاط عسكري في مأرب والبيضاء والجوف.

هذا الانتشار لا يثبت بالضرورة وجود خطة عملياتية واحدة تربط كل هذه الجبهات، لكنه يكشف انتقال الحرب من حالة الجمود النسبي إلى محاولة كل طرف تحسين موقعه قبل أن تستقر خطوط القتال من جديد.


والسؤال هنا ليس فقط: من سيطر على أي موقع؟ بل: لماذا أصبحت هذه المواقع مهمة الآن؟

الساحل أولاً.. ثم البحث عن العمق

أعادت التحولات الأخيرة على الساحل الغربي تعريف قيمة الجغرافيا المحيطة به. فالتقدم في المناطق الساحلية لا يحقق مكسباً مستقراً بمجرد السيطرة على المدن والطرق المنخفضة، إذ تبقى القوات المنتشرة هناك عرضة لضغط مصدره المرتفعات المطلة على محاور الحركة.

وتشير تقارير حديثة إلى أن الحوثيين حققوا خلال سبتمبر الجاري مكاسب على الساحل، بينها المخا ومناطق أخرى، قبل أن تنتقل المواجهات إلى نطاق المرتفعات الواقعة شرق وجنوب شرق الساحل. وهنا تظهر القاعدة العسكرية الأهم في المشهد الحالي: السيطرة على الساحل تحتاج إلى عمق يحميها، والسيطرة على العمق تحتاج إلى طرق تصل إليه.

لذلك، فإن انتقال القتال من الساحل إلى الجبل ليس انتقالاً جغرافياً عشوائياً، بل نتيجة مباشرة لطبيعة الأرض. فمن يسيطر على المناطق المنخفضة يحتاج إلى تحييد المرتفعات التي يمكن أن تراقب طرق الإمداد والحركة، بينما يسعى الطرف الآخر إلى الاحتفاظ بهذه المرتفعات لمنع تثبيت المكاسب الساحلية.

كهبوب وتعز.. الحلقة الأكثر حساسية

في هذه المعادلة تبرز كهبوب بوصفها إحدى أهم النقاط في الخريطة الجديدة. فالمنطقة تقع في نطاق جبلي قريب من باب المندب، وتتصل جغرافياً بمحاور تمتد بين تعز ولحج والساحل. وخلال الأيام الماضية شهدت المنطقة هجمات متكررة، فيما شاركت قوات العمالقة ودرع الوطن وقوات محلية في القتال إلى جانب القوات الحكومية.

أهمية كهبوب لا تأتي من كونها تطل على باب المندب فحسب، بل لأنها تقع على منطقة انتقال بين ثلاثة مسارح: الساحل، والمرتفعات، والطريق المؤدي جنوباً. ولهذا فإن السيطرة على المرتفعات هناك يمكن أن تؤثر في أمن الطرق والتحركات البرية، حتى لو لم تعنِ السيطرة المباشرة على الملاحة في مضيق باب المندب.

وهذه نقطة مهمة في قراءة المشهد، فالتعبير عن كهبوب باعتبارها «مفتاح باب المندب» قد يكون مبالغة إذا أُخذ حرفياً. لكنها بالتأكيد موقع بري متقدم في محيط ممر بحري بالغ الحساسية، وتزداد قيمتها كلما أصبحت المعارك الساحلية أقرب إلى تخوم المضيق.

وفي تعز، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً، فالمواجهات الأخيرة تركزت في محاور الكدحة والأحكوم والوازعية ومناطق أخرى، بينما أعلنت القوات الحكومية السيطرة على مواقع مرتفعة، بينها جبل قرفان، في وقت استمرت فيه محاولات حوثية لاستعادة بعض المواقع.

القيمة العسكرية لهذه المرتفعات لا تكمن في مساحتها، بل في ما يمكن أن تراه وتتحكم فيه. فهو جبل يطل على طريق إمداد قد يكون أكثر أهمية من مساحة واسعة لا تتحكم في أي محور.

ومن هنا يصبح القتال في غرب تعز مرتبطاً بالساحل بصورة مباشرة: المرتفعات تحدد مدى قدرة القوات الموجودة في الداخل على الضغط على الطرق المؤدية إلى الساحل، والعكس صحيح.

وهذا يفسر أيضاً لماذا لا تبدو المعركة في تعز كمعركة للسيطرة على مركز حضري واحد. إنها أقرب إلى صراع على شبكة من العقد الجغرافية التي تحدد حركة القوات بين الجبل والبحر.

من المكسب التكتيكي إلى مشكلة التثبيت

لكن السيطرة على المرتفع أو الطريق لا تعني بالضرورة تغيراً دائماً في خريطة الحرب. فالطرف الذي يتقدم يحتاج إلى نقل قوات وذخائر، وتأمين طرق الإمداد، وحماية المواقع الجديدة من الهجمات المعاكسة. وكلما ابتعد عن مواقعه الأصلية زادت حاجته إلى خطوط إمداد آمنة.

وهذا يفسر جانباً من شدة القتال حول المرتفعات: المعركة لا تدور فقط على الموقع، بل على القدرة على الاحتفاظ به. وتظهر هذه المشكلة بوضوح في الجبهات التي تفصل الساحل عن الداخل. فكل تقدم على محور يمكن أن يخلق جبهة جديدة على المحور المقابل، ما يجعل المكسب الأولي بحاجة إلى سلسلة من المكاسب اللاحقة لتأمينه.

قد تبدو مأرب بعيدة عن معركة باب المندب، لكن دخولها مجدداً في دائرة التصعيد يوسع معنى التحركات الأخيرة. فالتقاريرل تتحدث عن مواجهات وتحركات في الجبهتين الجنوبية والغربية لمأرب، بالتزامن مع القتال في تعز ولحج والبيضاء.

ولا توجد - وفق المعطيات المتاحة - أدلة كافية للقول إن هذه الجبهات جميعاً جزء من عملية عسكرية موحدة. لكن تزامن الضغط على أكثر من محور يغير الحسابات، إذ يجبر الأطراف على توزيع قواتها ومواردها بدلاً من تركيزها في جبهة واحدة.

وهنا تصبح مأرب مهمة حتى من دون أن تكون مرتبطة مباشرة بالساحل: كل جبهة إضافية تعني مورداً عسكرياً لا يمكن استخدامه في جبهة أخرى. هذه هي قيمة فتح المحاور المتعددة، ليس بالضرورة تحقيق اختراق في كل منها، وإنما إجبار الخصم على التعامل مع أكثر من تهديد في الوقت نفسه.

باب المندب.. من الجغرافيا اليمنية إلى الحسابات الإقليمية

كلما اقتربت المعارك من باب المندب ارتفعت كلفة أي تغير ميداني. فالمضيق لا يمثل مجرد نقطة على الخريطة اليمنية، بل هو جزء من مسار بحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وأي اضطراب أمني حوله يمكن أن ينعكس على حسابات الملاحة والتجارة والطاقة.

لكن من المهم الفصل بين التأثير البري والسيطرة البحرية، فالسيطرة على مرتفعات كهبوب أو مواقع أخرى لا تعني تلقائياً التحكم في حركة السفن، لكنها تمنح الطرف الموجود هناك موقعاً برياً أكثر تقدماً في منطقة شديدة الحساسية.

وهذا ما يجعل معركة المرتفعات مختلفة عن معارك الداخل: تأثيرها المحتمل لا يتوقف عند حدود المحافظة.

الخريطة تتحرك.. لكن إلى أين؟

إذا وضعت التطورات الأخيرة فوق الخريطة، تظهر ثلاثة اتجاهات متداخلة:

أولاً: تحرك من الساحل نحو المرتفعات لتأمين المكاسب أو منع تثبيتها.

ثانياً: صراع على العقد الجبلية والطرق التي تربط تعز ولحج بالساحل.

ثالثاً: ضغط متزامن على جبهات داخلية مثل مأرب والبيضاء، بما يوسع مساحة الاستنزاف ويصعّب تركيز القوات في محور واحد.

هذه الاتجاهات لا ترسم بعد خريطة سيطرة جديدة مكتملة، لكنها تشير إلى أن مرحلة تثبيت خطوط التماس التي سادت خلال السنوات الماضية تتعرض لاختبار حقيقي.

والأهم أن الخريطة الحالية لا تزال متحركة، فقد أعلنت القوات الحكومية عن مكاسب في بعض مرتفعات تعز، بينما استمرت المعارك حول كهبوب ومناطق الساحل، مع تضارب الروايات حول بعض المواقع وحجم الخسائر.
لذلك سيكون من المبكر التعامل مع أي تقدم ميداني باعتباره تحولاً نهائياً.

المعركة المقبلة قد تكون على خطوط الإمداد

إذا استمر التصعيد، فإن المرحلة التالية قد لا تحسم بالضرورة عبر السيطرة على مدن كبيرة، بل عبر اختبار قدرة كل طرف على إبقاء محاوره مفتوحة.

فالقوة التي تسيطر على المرتفعات دون تأمين الطرق ستظل عرضة للعزل. والقوة التي تتمركز على الساحل دون حماية جناحها الجبلي ستبقى تحت ضغط مستمر.

أما فتح عدة جبهات في وقت واحد، فيرفع تكلفة الدفاع ويجعل توزيع القوات جزءاً من المعركة نفسها.

من هنا يمكن قراءة التحول من الساحل إلى الجبل باعتباره محاولة لإعادة صياغة ميزان الحركة، لا مجرد توسيع رقعة القتال.

وفي هذه اللحظة تحديداً تبدو كهبوب وغرب تعز والطرق الواصلة بين الساحل والداخل نقاطاً أكثر دلالة من مساحة السيطرة المجردة.

فإذا استقرت هذه المحاور لصالح طرف ما، فإنها قد تمنحه قدرة أكبر على حماية مكاسبه أو الضغط على خصمه. وإذا ظلت متنازعاً عليها، فإنها ستُبقي الساحل والمرتفعات في دائرة استنزاف متبادل.

وهنا تكمن خلاصة المشهد: خريطة الحرب اليمنية لا تتحرك فقط من منطقة إلى أخرى، بل تعيد ترتيب قيمة الأرض نفسها.

الساحل لم يعد هدفاً منفصلاً عن الجبل، والجبل لم يعد جبهة معزولة عن الساحل، وبينهما طرق وإمدادات وممرات تحدد قدرة أي طرف على تحويل التقدم العسكري إلى واقع مستقر.



الأكثر زيارة


زلزال سياسي وعسكري مرتقب.. زيارة استراتيجية تكسر قطيعة الريا.

الإثنين/28/سبتمبر/2026 - 11:25 م

تتجه الأنظار باهتمام بالغ نحو حراك سياسي وعسكري وصفه مراقبون بالاستراتيجي، وسط توقعات بأن تحمل الزيارة المرتقبة أبعاداً كبرى على طريق كسر حالة القطيعة


ضياء الهاشمي في مقال لاذع لمحافظ عدن: علم الجنوب ونشيده ليسا.

الثلاثاء/29/سبتمبر/2026 - 01:34 ص

وجهت الناشطة والكاتبة الجنوبية ضياء الهاشمي انتقادات لاذعة إلى محافظ العاصمة عدن، بصفته المسؤول الأول فيها، على خلفية إصدار أوامر شفهية للمؤسسات التعل


من تعطيل التنمية إلى البحث عن الهدنة.. هل دفعت سياسات السعود.

الثلاثاء/29/سبتمبر/2026 - 12:49 ص

على مدى سنوات الحرب، لم يعد الجدل في الجنوب يقتصر على الملفات العسكرية والسياسية، بل امتد بصورة واسعة إلى سؤال التنمية ومستقبل المناطق الجنوبية، في ظل


عاجل : وزير الدفاع السعودي يدعو بن زايد لزيارة المملكة يوم ا.

الإثنين/28/سبتمبر/2026 - 09:57 م

وجَّه الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، دعوة للشيخ منصور بن زايد نائب رئيس الإمارات نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، لزيارة المملكة