المعركة على الطرق والموانئ.. التصعيد يهدد الأمن الغذائي في اليمن
الإثنين - 05 أكتوبر 2026 - 12:28 ص
صوت العاصمة/ متابعات
لم يعد التصعيد العسكري في اليمن يقاس فقط باتساع رقعة المواجهات أو تغير خطوط التماس، بل بدأ يفتح جبهة أخرى أقل وضوحاً وأكثر التصاقاً بحياة المدنيين، وهي جبهة الغذاء. فكلما تحركت المعارك على الساحل الغربي ومحاور تعز ومناطق أخرى، تحرك معها خطر جديد يتمثل في تعطيل الأسواق، وارتفاع الأسعار، ونزوح الأسر، وصعوبة إيصال المساعدات إلى المناطق الأكثر احتياجاً.
وفي أحدث تحذير له، قال برنامج الأغذية العالمي، الجمعة 2 أكتوبر، إن 18.3 مليون شخص في اليمن يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فيما يعاني نحو 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم نحو 500 ألف طفل في حالة سوء تغذية حاد وخيم.
والأكثر دلالة أن مراقبة برنامج الأغذية في المناطق التي يستطيع الوصول إليها، أظهرت أن 74% من الأسر لم تعد قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية، وهي أعلى نسبة يسجلها البرنامج خلال العام الحالي.
النزوح.. الصدمة الأولى
يأتي النزوح في مقدمة الآثار المباشرة للتصعيد على الأمن الغذائي. فقد أدت المعارك الأخيرة إلى نزوح أكثر من 149 ألف شخص، وفق أرقام منظمة الهجرة الدولية التي أوردها برنامج الأغذية العالمي، فيما وصلت موجات النزوح إلى مناطق بينها محافظات تعز وعدن ولحج.
وتكشف التجربة الإنسانية في اليمن أن الأسرة التي تفقد منزلها ومصدر دخلها في آن واحد، تتحول سريعاً من أسرة منتجة أو قادرة على شراء احتياجاتها إلى أسرة تعتمد على المساعدات. ويصبح الطعام من أول الاحتياجات التي تبحث عنها الأسر النازحة، خصوصاً عندما تصل إلى مناطق لا تملك فيها المال أو القدرة على الوصول إلى الأسواق.
ويقول برنامج الأغذية العالمي إن بعض الأسر التي وصلت إلى مناطق النزوح اضطرت إلى السير لأيام دون ماء أو غذاء، فيما لجأت أخرى إلى الاكتفاء بالخبز وما يتوفر من طعام بسيط. وهذه الصورة لا تعكس فقط حجم الاحتياج الحالي، بل تكشف كيف يمكن للتصعيد العسكري أن يحول أزمة النزوح سريعاً إلى أزمة غذاء.
تزداد حساسية الوضع الغذائي في اليمن بسبب اعتماد البلاد على الخارج لتأمين نحو 90% من احتياجاتها الغذائية. ولذلك فإن أي اضطراب في الموانئ أو طرق النقل أو حركة التجارة لا يبقى تأثيره محصوراً في القطاع التجاري، بل ينتقل سريعاً إلى موائد الأسر وأسعار السلع الأساسية.
وهنا تتضح خطورة التصعيد على الساحل الغربي وبالقرب من باب المندب. فاليمن لا يعتمد فقط على تدفق السلع عبر الموانئ، وإنما يحتاج أيضاً إلى طرق آمنة لنقلها من مناطق الاستيراد إلى الأسواق الداخلية.
ومع اتساع رقعة القتال، يمكن أن ترتفع تكلفة النقل والتأمين، وتتأخر الشحنات، وتتضرر الطرق، ويضطر التجار إلى إضافة مخاطر الحرب إلى أسعار السلع. وفي بلد يعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية وتدهور اقتصادي، فإن زيادة محدودة في سعر الدقيق أو الزيت قد تكون كافية لدفع أسر فقيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي.
تعز.. مؤشر مبكر على ضغط الأسواق
تبرز محافظة تعز باعتبارها واحدة من أكثر المناطق التي يمكن من خلالها قياس التأثير الاقتصادي المباشر للتصعيد. فقد أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن أسعار دقيق القمح ارتفعت 10% خلال أسبوعين فقط في أجزاء من المحافظة، بينما يقدر التجار أن مخزونات القمح المتاحة لا تغطي سوى نحو شهرين من الطلب. كما بدأت اضطرابات إمدادات زيت الطعام تضيف ضغطاً جديداً على أسعار الغذاء.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها تظهر أن تأثير الحرب لا يحتاج إلى إغلاق ميناء أو توقف كامل للاستيراد حتى يصل إلى المستهلك، يكفي أحياناً أن تتعطل الطرق أو تتراجع حركة التجارة أو ترتفع كلفة النقل حتى تبدأ الأسعار في الصعود.
الجبهة الغذائية لا تتعلق بالأسواق وحدها. فالتصعيد يضرب أيضاً قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى السكان.
ويقول برنامج الأغذية العالمي إن القتال قطع الوصول إلى أجزاء من تعز والحديدة، ومنع البرنامج وشركاءه من الوصول إلى نحو 350 ألف شخص كانوا يتلقون المساعدة. كما أدت الاشتباكات في المخا منذ سبتمبر إلى التأثير في عمليات البرنامج، وأصبح الوصول إلى عشرات نقاط توزيع الغذاء متعذراً.
وهنا تتشكل معادلة شديدة التعقيد: عدد المحتاجين يرتفع بسبب النزوح، بينما تنخفض في الوقت ذاته قدرة العاملين الإنسانيين على الوصول إليهم. وكلما طال أمد القتال، اتسعت الفجوة بين حجم الاحتياج وحجم المساعدة المتاحة.
أزمة تمويل فوق أزمة الحرب
ولا تأتي هذه التطورات في ظروف إنسانية مستقرة. فبرنامج الأغذية العالمي يواجه بالفعل ضغوطاً مالية كبيرة، ويقول إنه أعاد تخصيص موارد كانت موجهة لتوزيعات غذائية مقررة في نوفمبر لتغطية الاحتياجات الطارئة الحالية.
ويحتاج البرنامج إلى 109 ملايين دولار للاستجابة الطارئة لما يصل إلى 1.5 مليون شخص متضرر من التصعيد في اليمن، إضافة إلى 158 مليون دولار لمواصلة عملياته الاعتيادية، بما فيها الغذاء والنقد والتغذية والوجبات المدرسية لنحو 2.4 مليون شخص حتى مارس 2027.
وهذا يعني أن استمرار القتال لا يضاعف الاحتياجات الإنسانية فقط، بل يستهلك أيضاً الموارد المحدودة التي كان يفترض أن تكفي لمواجهة الأزمة القائمة أصلاً.
إذا استمرت الاضطرابات حول الساحل الغربي وباب المندب، فإن التأثير المحتمل لن يقتصر على اليمن. فالممر البحري يمثل جزءاً من شبكة تجارية دولية رئيسية، وأي اضطراب في حركة السفن يمكن أن يرفع تكاليف نقل الغذاء والوقود والأسمدة ويزيد الضغوط على سلاسل الإمداد.
وقد حذر برنامج الأغذية العالمي من أن اضطرابات طرق التجارة الكبرى يمكن أن تنتقل آثارها من مناطق الصراع إلى الأسواق العالمية.
لكن بالنسبة لليمنيين، تبقى المشكلة أكثر مباشرة: بلد يستورد الجزء الأكبر من غذائه، واقتصاد هش، وأسر تراجعت قدرتها الشرائية، وتصعيد يدفع الآلاف إلى النزوح، وممرات إنسانية وتجارية تواجه مزيداً من المخاطر.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الأمن الغذائي في اليمن لم يعد ملفاً إنسانياً منفصلاً عن المسار العسكري، بل أصبح أحد المؤشرات الرئيسية لقياس كلفة التصعيد ومدى اتساع آثاره.
فإذا استمرت المعارك، فإن الخطر لا يتمثل فقط في سقوط مناطق جديدة أو تغير خطوط المواجهة، وإنما في ارتفاع أسعار الغذاء، فقدان مصادر الدخل، توسع النزوح، تراجع قدرة الأسواق على العمل، وصعوبة وصول المساعدات.