حين يصبح التاريخ مسؤولية، وتتحول الكتابة إلى وسيلة لحفظ ذاكرة الأوطان، تبرز تجارب كتجربة الكاتب القدير والمؤرخ والروائي محمد عباس ناجي الضالعي، الذي كرّس جانباً مهماً من تجربته الأدبية والبحثية لتوثيق تاريخ الجنوب، مستنداً إلى البحث وجمع الوثائق وقراءة الأحداث من جوانبها السياسية والاجتماعية والعسكرية.
ولد محمد عباس ناجي الضالعي عام 1958 في قرية عدن حمادة بمديرية الأزارق بمحافظة الضالع. وتخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1981، وواصل دراسته وتخصصه، فحصل على دبلومات في اللغة الروسية والإعلام، ثم حصل على درجة الماجستير في العلوم العسكرية عام 2000.
وإلى جانب مسيرته العسكرية، اختار الضالعي أن يجعل من القلم والكتاب مساحة أخرى لخدمة الذاكرة والتاريخ، فكتب في التاريخ والسياسة والشأن العسكري، كما خاض تجربة الرواية والأدب.
مؤلفات متعددة.. والتاريخ في مقدمتها
قدم الكاتب القدير محمد عباس ناجي الضالعي عدداً من المؤلفات التي تناولت محطات وقضايا مختلفة، من بينها كتاب �التاريخ القديم للعربية الجنوبية�، الذي يتناول جوانب من تاريخ المنطقة في العصور القديمة.
كما أصدر كتاب �عدن: أحداث عظيمة أدت إلى الاستقلال�، متناولاً من خلاله أحداثاً ومحطات مرتبطة بتاريخ عدن والنضال الذي قاد إلى الاستقلال.
وفي المجال الروائي، قدم رواية �جاسوس في صنعاء�، في تجربة أدبية تعكس جانباً آخر من اهتماماته وقدرته على الانتقال من الكتابة التاريخية والبحثية إلى السرد الروائي.
ومن أعماله أيضاً كتاب �حقائق جديدة عن الانطلاقة الأولى لثورة 14 أكتوبر�، الذي يتناول واحدة من أهم المحطات في التاريخ الحديث للجنوب.
وتكشف هذه الأعمال عن تجربة كاتب لم يحصر اهتمامه في مجال واحد، بل جمع بين التاريخ والبحث والعلوم العسكرية والصحافة والرواية.
�تاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية�.. المشروع الأكبر
وفي أحدث مشاريعه وأضخمها، أصدر الضالعي موسوعته التاريخية:
�تاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية – السياسي والاجتماعي والعسكري�
وذلك في ثلاثة أجزاء كبرى، تتجاوز في مجموعها 1130 صفحة.
ويضم العمل مئات الوثائق والمواد التاريخية، بينها وثائق تنشر لأول مرة، في محاولة لرصد مراحل مختلفة من تاريخ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، سياسياً واجتماعياً وعسكرياً.
ولا يمثل هذا الإصدار مجرد كتاب جديد في المكتبة الجنوبية، بل يأتي بوصفه مشروعاً واسعاً لجمع وتدوين وتوثيق مرحلة تاريخية كاملة، ووضعها في متناول الباحثين والمهتمين والأجيال القادمة.
جهد شخصي لحفظ الذاكرة
ما يميز تجربة الضالعي أن هذا المشروع التاريخي الكبير جاء نتيجة جهد بحثي وشخصي امتد لسنوات، في ظل صعوبة العمل التوثيقي وما يحتاجه من بحث وجمع ومراجعة للوثائق والمعلومات.
وقد اختار الكاتب أن يوثق ما يراه من أحداث ومحطات في تاريخ الجنوب، وأن يجمعها في أعمال مكتوبة تبقى شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة.
فبالنسبة للضالعي، لا يبدو الكتاب مجرد صفحات وحبر، وإنما وسيلة لحفظ الذاكرة من النسيان، ونقلها من جيل إلى آخر.
دعم الطباعة وإيصال العمل إلى القارئ
ورغم أن إعداد المادة التاريخية والبحثية وتأليف الموسوعة يعود إلى الكاتب والمؤرخ محمد عباس ناجي الضالعي، فقد احتاج إخراج هذا المشروع الكبير إلى دعم في جانب الطباعة.
وقد تمت طباعة الموسوعة بدعم وعلى النفقة الخاصة للفريق الركن الدكتور محسن الداعري، وزير الدفاع السابق، بواقع 75 نسخة لكل جزء.
وهو دعم أسهم في إخراج هذا العمل إلى القارئ، بينما ظل جهد البحث والتأليف والتوثيق وإعداد المادة التاريخية ثمرة المشروع الذي حمله صاحبه لسنوات.
الجنوب في ذاكرة كاتب
يمثل محمد عباس ناجي الضالعي نموذجاً للكاتب الذي اختار أن يوثق ما يؤمن بأهمية حفظه، وأن يجعل من الكتاب وسيلة لحماية الذاكرة الجنوبية من الضياع.
فمن خلال مؤلفاته التاريخية والروائية والبحثية، ومن خلال موسوعته الجديدة، يواصل الضالعي جهده في تدوين صفحات من تاريخ الجنوب، مدفوعاً باهتمام واضح بالتاريخ والهوية والذاكرة الجنوبية.
ومهما اختلفت القراءات والتفسيرات لبعض الأحداث التاريخية، تبقى الوثيقة والكتاب والمادة المكتوبة أدوات أساسية أمام الباحثين لفهم الماضي ومناقشته ودراسته.
إرث يتركه القلم
وبأكثر من 1130 صفحة موزعة على ثلاثة أجزاء، يضع الكاتب القدير والمؤرخ والروائي محمد عباس ناجي الضالعي بين أيدي القراء خلاصة مشروع كبير من التوثيق والبحث، ليضيف بذلك إصداراً جديداً إلى أعماله السابقة، ويترك مادة تاريخية يمكن للأجيال القادمة العودة إليها ودراستها ومقارنتها بالمصادر الأخرى.
إنها تجربة كاتب يرى أن من واجب القلم أن يحفظ ما قد تنساه الذاكرة، وأن التاريخ، مهما كانت صعوبته، يحتاج دائماً إلى من يوثقه ويضعه أمام الأجيال.
وتتوفر الأجزاء الثلاثة من الموسوعة في مكتبة الكلمة، الواقعة أمام جولة الأمن في حي خور مكسر بمدينة عدن.
محمد عباس ناجي الضالعي.. كاتب قدير، مؤرخ وروائي، جعل من القلم والوثيقة وسيلة لحفظ جانب من ذاكرة الجنوب وتاريخه.
