هندسة الحدود ورسم الخارطة الجنوبية
الخميس - 08 أكتوبر 2026 - 12:07 ص
صوت العاصمة/ بقلم / بسام أحمد عبدالله
في زوايا المشهد السياسي والعسكري الممتد بين عدن وصنعاء يرى العديد من المتابعين والمحللين السياسييين أن طبيعة التحركات الجارية على الأرض تشير إلى سيناريو متكامل يعاد إخراجه بدقة عالية لتثبيت واقع جغرافي وسياسي لا يمكن تجاوزه.
إن المتأمل في الخطاب السياسي الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي ودعوته لمليونية التعبئة الشعبية والدفاع عن القضية الجنوبية يدرك من الاسم والعنوان أن هدف المرحلة يتركز بالأساس على تثبيت المعادلة الأمنية للجنوب ودفع أي تهديد عن حدوده السياسية والتاريخية دون الانزلاق إلى معارك عبثية في عمق الجغرافيا الشمالية.
ويرى كثير من المهتمين بقضايا المنطقة أن مسألة الاندفاع بالقوات والمقاتلين الجنوبيين نحو العمق الشمالي لم تعد مطروحة في الحسابات الاستراتيجية الرشيدة.
فالقتال في أرض يجهل المقاتل تضاريسها وتركيبتها الاجتماعية والقبلية يعد بحسب فقهاء الواقع والسياسة مخاطرة غير محسوبة الحواضن إذ يغدو المقاتل فيها عرضة للاستنزاف والخديعة في وقت يقع فيه عبء استعادة تلك المناطق على أبنائها من أهل الشمال الذين يفترض أن يكونوا في مقدمة الصفوف لتحرير أرضهم بينما يقف الجنوبيون سند ومدد لا رأس حربة في معارك لا تخدم تطلعاتهم السياسية المباشرة.
وفي هذا الصدد يعتقد مراقبون أن تساقط الجبهات والمناطق الشمالية وتمدد الجماعة الحوثية فيها بطرق تبدو للحاضنة الشعبية وكأنها حسم عسكري ميداني ليس إلا جزء من اتفاقات ضمنية وسيناريوهات غير معلنة جرت على مستويات إقليمية ودولية متعددة.
إن التفاهمات القائمة بين القوى الشمالية بمختلف مكوناتها ووكلائها الإقليميين تهدف في جوهرها إلى وضع الحرب أوزارها عند رسم الحدود الفاصلة بين الكيانين بحيث تقتنع الجماهير والمقاتلون الميدانيون بأن ما آلت إليه الأمور هو الواقع الطبيعي والوحيد الممكن الذي فرضته توازنات القوى على الأرض لا اتفاقات الغرف المغلقة.
ومن هذه الزاوية يرى سياسيون أن هذا المسار الصارم الذي يوقف اندفاع الجنوبيين عند حدودهم ويسمح باكتفاء الشمال بسلطته الحاكمة يخدم في النهاية الأهداف الاستراتيجية للتحالف العربي والدول الرباعية الدولية.
إن الوصول بالمشهد إلى القناعة الكاملة بعدم قدرة الحوثي على اختراق حدود الجنوب وعدم قدرة القوات الجنوبية على التمدد شمالاً يحقق التقسيم الفعلي والنفسي بصورة مرنة تجعل المجتمع الدولي والأطراف المحلية تقبل بالنهاية المرسومة كحل أخير ومستدام يحفظ أمن المنطقة واستقرار الملاحة البحرية ومصالح القوى الكبرى.
كما يشير خبراء الاستراتيجية إلى أن البطولات والإنجازات العسكرية المشهودة التي حققتها القوات المسلحة الجنوبية والتي نالت ثقة المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي يمكن استثمارها سياسياً بذكاء واقتدار.
إن المطلوب من القيادة السياسية الجنوبية هو توظيف هذه الثقة العالية وتعميق جسور المصالح المشتركة لإثبات أن جنوب اليوم هو الشريك الموثوق لحماية الأمن القومي العربي وأن القضية الجنوبية قضية سياسية ووطنية بامتياز يجب حلها وفق إرادة شعبها كشرط أساسي لتحقيق الاستقرار الدائم.
وفي ختام المطاف يتضح أن إدارة الصراع في هذه المرحلة الحرجة تتطلب وعي عميق بمآلات الدماء والتضحيات لكي لا تتحول العاطفة الدينية والوطنية إلى وقود لتصفية حسابات الآخرين.
إن حصر المواجهة على الحدود وتأمين الجغرافيا الجنوبية واستكمال السيطرة التنفيذية والسياسية سيوصل الجميع إلى لحظة التوافق الحتمي حيث تصبح قضايا الشمال شأن داخلي يخص أبناءه بينما يعود الجنوب دولة مستقلة تلبي تطلعات شعبها وتصون مكتسباته التاريخية ..
خالص التحايا 🌹