حقيقة حـ.ـروب الشرق الأوسط.. الاستراتيجية الأوروبية بين توظيف الصراع الإيـ.ـراني وغياب المشروع العربي.
الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 - 12:59 ص
صوت العاصمة/ بقلم/ بشير الهدياني.
في قراءة ما يجري في الشرق الأوسط، لا يكفي النظر إلى الحروب باعتبارها مواجهات بين دول متنافسة؛ فخلفها مشاريع عقائدية وحسابات استراتيجية تتجاوز حدود المعارك، وتعيد رسم موازين القوى وفق مصالح تتقاطع فيها إرادات إقليمية ودولية.
إسرائيل تتحرك ضمن مشروع ديني وعقائدي ذي أبعاد توسعية، يحظى بدعم غربي سياسي وعسكري، فيما تسعى إيران إلى توسيع نفوذها انطلاقًا من مشروعها الديني والعقائدي، عبر حلفائها وأذرعها في المنطقة، وفي مقدمتهم مليشيا الحوثي. وكلا المشروعين يطرح مخاطر حقيقية على العرب والمنطقة، وإن اختلفت أدواتهما وأهدافهما وتفاصيل تحركاتهما.
لكن المفارقة أن رفض المشروع الإيراني لا يعني القبول بالمشروع الإسرائيلي، كما أن مواجهة التوسع الإسرائيلي لا تبرر تجاهل النفوذ الإيراني. فالعرب ليسوا مضطرين إلى الارتهان لأحد المشروعين، بل كان يفترض أن يمتلكوا مشروعًا مستقلًا يحمي مصالحهم ويمنحهم القدرة على تقرير مصيرهم.
وهنا تظهر إحدى أبرز نتائج الاستراتيجية الغربية في المنطقة: توظيف التناقضات الإقليمية بما يجعل العرب وإيران ينشغلون بمواجهات متبادلة، بينما تستفيد إسرائيل من انقسام خصومها، وتبقى القوى الغربية في موقع يسمح لها بإدارة التوازنات وفق مصالحها. وبدلًا من أن تتحمل القوى الغربية وحدها كلفة مواجهة النفوذ الإيراني، تجد دول عربية، وفي مقدمتها السعودية، نفسها أمام أعباء أمنية وعسكرية متزايدة، فيما تتشابك المواجهات وتتسع دوائر الاستنزاف.
ولا يعني ذلك أن كل ما يجري يُدار وفق مخطط واحد، لكن المحصلة تستحق التأمل: صراعات تستنزف المنطقة، وتعمّق خلافاتها، وتُبقي مستقبلها رهينة حسابات تتجاوز إرادة شعوبها، فيما تجد إسرائيل في هذا الانقسام مساحة إضافية للتحرك.
لكن لماذا يجد العرب أنفسهم داخل مشاريع الآخرين، بدلًا من أن يكونوا أصحاب مشروع يحدد موقعهم في هذه المعادلة؟
هنا تكمن المفارقة الأعمق. فالعرب يمتلكون في القرآن الكريم دستورًا إلهيًا كان يمكن أن يشكّل أساسًا لمشروع حضاري وإنساني يخدم البشرية جمعاء، لكنهم لم يحوّلوا هذه المرجعية إلى مشروع واقعي ينظّم حياتهم ويصون استقلال قرارهم. وبدلًا من إنتاج رؤيتهم الخاصة، تحولت مجتمعاتهم إلى أوعية تتلقى ثقافات الآخرين ومشاريعهم، حتى غابت جوهرة المرجعية التي يمتلكونها وسط الصراعات البينية، وأصبحوا تحت مقصلة مشاريع تتنافس على أرضهم وتؤثر في مصيرهم.
وحقيقة المشكلة ليست في غياب المرجعية، بل في غياب المشروع الذي يحوّلها إلى واقع؛ إذ لا يكفي أن تمتلك الأمة أعظم مرجعياتها، ما لم تستطع أن تجعل منها أساسًا لنهضتها واستقلالها ومشاركتها في صياغة النظام العالمي.
وهنا يتضح أن الخلل العربي أعمق من مجرد اختلال التحالفات أو تباين المواقف من إيران وإسرائيل. إنه غياب الرؤية التي تجمع المصالح العربية ضمن مشروع مستقل، يجعل التعامل مع القوى الإقليمية والدولية قائمًا على حسابات الأمة نفسها، لا على ردود الفعل تجاه مشاريع الآخرين.
فالأمة التي لا تصنع مشروعها ستظل تتحرك داخل مشاريع غيرها؛ وحين يغيب القرار العربي المستقل، تصبح الصراعات التي تجري حوله وفوق أرضه جزءًا من معادلات لا يملك زمامها.