مداد العاصمة



هذا المقال ليس للجميع بل لمن يفهم ان الوطن ليس سلعة ودماء الشهداء ليست ارقاما في بازار السياسة

الثلاثاء - 13 أكتوبر 2026 - 02:24 ص

هذا المقال ليس للجميع بل لمن يفهم ان الوطن ليس سلعة ودماء الشهداء ليست ارقاما في بازار السياسة

صوت العاصمة/ كتب/ طاهر بن طاهر


الوطن ليس مجرد حيز جغرافي مرسوم على خريطة بل هو فكرة وجودية تتحول فيها الجغرافيا الى هوية والتراب الى كرامة والمكان الى انتماء . وبناء على ذلك فان الوطن لا يقاس باتساع مساحته وانما يقاس بمقدار الكرامة التي يمنحها لابنائه فاذا ما انتزعت الكرامة تحول الوطن من حلم الى سجن ومن ملاذ الى منفى.

ومن هنا تبرز اشكالية جوهرية تتمثل في من يحمل هذا الوطن وكيف يحمله وما هي الخطوط التي لا يجوز له تجاوزها لان التاريخ يعلمنا حقيقة لا تقبل الجدل مفادها ان الافكار العظيمة لا تمشي على قدمين فقط بل تحتاج الى جسد يحملها والى وعاء يصونها من التبدد .
وعليه فان القضية العادلة مهما كانت عدالتها والشعب المضحي مهما بلغت تضحياته يظلان مجرد عاطفة وضجيج ان لم يتوفر لهما حامل سياسي حقيقي.
غير ان ما نراه اليوم هو تشويه خطير لمفهوم الحامل السياسي للقضية ! فالحامل السياسي ليس حزبا يلهث خلف المقاعد في السلطة ولا مكونا يقتات على التمويلات ولا زعامة تبحث عن حضور في نشرات الاخبار بل هو ابعد من ذلك واعمق.
فالحامل الحقيقي هو اولا وعاء اخلاقي يفترض ان يحمل قيم الناس ومبادئهم قبل ان يحمل مصالح النخبة لان السياسة التي تنفصل عن الاخلاق تتحول الى مجرد ادارة للفساد وهو ثانيا ذاكرة منظمة قادرة على حفظ تضحيات الشهداء والجرحى والمناضليم من الضياع ومنع تحويل دمائهم الى ارقام تفاوضية في بازار السياسة الاقليمي والدولي وهو ثالثا عقل استراتيجي بارد تكمن مهمته في تحويل العاطفة الشعبية المتقدة الى مشروع دولة متماسك وتحويل الغضب الشعبي المشروع الى مؤسسات راسخة لا الى فوضى غوغائية وهو رابعا واخيرا جدار حماية يمثل السد المنيع الذي يمنع القضية من ان تتحول الى سلعة قابلة للبيع والشراء على طاولات الخارج .
وعندما يضعف هذا الحامل او يتشوه فان النتيجة الحتمية هي تمزق الوطن اما عندما يتحول الحامل نفسه من حارس امين للقضية الى تاجر انتهازي بها فعندها يبكي الوطن بحرقة ويبكي معه كل الشرفاء !.....

واذا كان الحامل السياسي هو الجسد فان الثوابت هي الروح وهي الخطوط الحمراء التي ان تم محوها محينا نحن معها فما هي هذه الثوابت ؟ انها ليست بنودا انشائية في بيان حزبي او منشورات فردية او ارتجالية بل هي العقود المقدسة التي لا يملك احد حق التنازل عنها فالثابت الاول يتمثل في السيادة على الارض والقرار فالارض ليست عقارا للمساومة والقرار ليس سلعة للمقايضة ومن يفرط بشبر من تراب الوطن من اجل البقاء على كرسي السلطة فانه في حقيقة الامر قد باع الوطن والكرسي معا اما الثابت الثاني فيتمثل في كرامة الانسان وهويته لان الوطن في جوهره هو الانسان وبالتالي فان اي مشروع سياسي لا يجعل من المواطن سيدا حرا كريما في ارضه هو في حقيقته مشروع احتلال جديد وان ارتدى عباءة وطنية في حين ان الثابت الثالث هو عهد الدم فالشهداء ليسوا مجرد ارقام تذكر في المناسبات بل هم العقد الاخلاقي الاقدس بيننا وبين الوطن وعلى ذلك فان اي تسوية سياسية تحاول القفز فوق دمائهم وتضحياتهم تعتبر خيانة صريحة لذلك العهد حتى وان صفق لها العالم اجمع لان دماء الشهداء هي اهم الثوابت الوطنية .
اما الثابت الرابع فيتمثل في حق الاجيال القادمة اذ يجب ان ندرك اننا لا نملك الوطن ملكية مطلقة بل نحن مؤتمنون عليه ومستأجرون فيه من اجيالنا القادمة ومن ثم لا يحق لنا باي حال من الاحوال ان نبيعه او نرهنه او نكبله باتفاقيات مذلة من اجل حل ازماتنا الآنية لانه وطن الماضي والحاضر والمستقبل .

وليعلم الجميع ان قضيتنا ليست قضية مذهبية او طائفية وليست صراعا على سلطة او ثروة بل هي قضية ارض وانسان وهوية قضية دولة حرة مستقلة تم احتلالها في السابع من يوليو عام 1994 بقوة السلاح بعد ان غدر بمشروع الوحدة الطوعية وتحولت الوحدة من شراكة بين دولتين الى احتلال صريح لدولة الجنوب وطمس لهويتها ونهب لثرواتها واذلال لشعبها

وبناء على هذه الحقيقة التاريخية فاننا نرفض رفضا قاطعا ما يسمى بالحوار الجنوبي الجنوبي لاننا كجنوبيين لسنا مختلفين فيما بيننا حتى نتحاور !!! فالخلاف ليس جنوبي جنوبي بل هو خلاف شمالي جنوبي بين دولة احتلال ودولة محتلة اي بين الجمهورية العربية اليمنية وعاصمتها صنعاء وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وعاصمتها عدن التي مازال اسمها وعلمها في مباني الامم المتحدة وعندها في عشية التحرير والاستقلال ممكن يتم تغيير اي اسم يقره الشعب الجنوبي

ونكرر اننا لن نقبل باي حوار يفرض علينا بالقوة فيما بيننا كجنوبيين لاضعاف قضيتنا وتحويلها الى خلافات جانبية بل نطالب بحوار ندي واضح وصريح حوار شمالي جنوبي تحت سقف الامم المتحدة وتحت رعاية مجلس الامن الدولي كطرفين متكافئين وكدولتين دخلتا في وحدة فشلت وانتهت بالحرب والاحتلال

ونقولها بصراحة اننا لسنا جنودا مجانيين لحماية الممرات الدولية ولسنا حراسا بلا ثمن للامن القومي العربي والدولي بينما يتجاهل العالم والاقليم قضيتنا العادلة فمن يريد منا ان نحمي الممرات ونحفظ امن المنطقة فعليه اولا ان يعترف بحقنا في ارضنا ودولتنا وهويتنا فالامن لا يتحقق بالمرتزقة بل يتحقق بالشعوب الحرة التي تملك قرارها وسيادتها قبل الخوض بمشاريع مع الخارج .

ولان الثورة بلا هدف تتحول الى فوضى وبلا مشروع تتحول الى مغامرة فانه لا يمكن لاي ثورة ان تستمر او تنتصر ان لم تملك اهدافا واضحة ومشروعا سياسيا متكاملا يوضح معالم دولتنا التحررية القادمة مشروعا يجيب عن الاسئلة الكبرى التي يتهرب منها الجميع من نحن وماذا نريد وكيف سنحكم ؟

من نحن ؟ سؤال الهوية الذي يجب ان يحدد بوضوح اننا شعب له تاريخ وله ارض وله حق في تقرير مصيره بعيدا عن مشاريع الطمس والالحاق

وماذا نريد ؟ سؤال الهدف الذي يجب ان يحدد اننا لا نبحث عن سلطة ولا عن مناصب بل نبحث عن دولة حرة مستقلة كاملة السيادة تحفظ كرامة مواطنيها وتؤمن لهم العيش الكريم

اما كيف سنحكم فهو سؤال الدولة الذي لا يمكن القفز عليه فلا بد ان يوضح المشروع السياسي نظام الحكم الذي نريده هل هو رئاسي ام برلماني ام فدرالي ؟ وما هو شكل الدستور الذي سيحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ؟ وما هو القانون الذي سيساوي بين الجميع ويمنع عودة الاستبداد بثوب جديد ؟

فالحقيقة تقول ان الثورة التي لا تقدم دستورا يحمي الحقوق وقانونا يطبق على الجميع ونظام حكم يمنع احتكار السلطة هي ثورة ناقصة ستنجب طغاة جدد بلباس ثوري يقدسون الولاء المناطقي والقروي والحزبي قبل الولاء الوطني ...

ولذلك فان الحامل السياسي الحقيقي هو الذي يحمل مع البندقية مشروعا ومع التضحية رؤية ومع الدم خارطة طريق لدولة قادمة لا لدولة انتقام.

واستنادا الى ما سبق تتضح الصورة المؤلمة للحظة التي نعيشها فعندما تضيع الرؤية الاستراتيجية وتغيب العقول السياسية الرشيدة وتسود حالة من العشوائية والتخبط والغوغاء فان الفراغ لا يبقى فراغا بل على العكس من ذلك يمتلئ المشهد بالرويبضات اولئك التافهون الذين يتحدثون في امر العامة فيعلو صوتهم ويخفت صوت الحكماء ويصبح صوت الحكمة غريبا ومنبوذا في وطنه !! انها اللحظة التي يبكي فيها الوطن لا لانه يتعرض لطعنات غدر من عدوه الخارجي بل لانه يطعن من الداخل .
ختاما
ان الوطن اليوم لم يعد بحاجة الى مزيد من الخطب الرنانة ولا الى البيانات الفضفاضة وانما هو بامس الحاجة الى حامل سياسي بحجم تضحياته حامل يدرك بان السياسة بلا اخلاق ليست سوى دعارة منظمة وان الثوابت الوطنية ليست وجهة نظر قابلة للتفاوض او للمتغيرات السياسية او المزاج السياسي بل هي اصل الوجود وان الثورة بلا مشروع ليست ثورة بل مجرد صرخة في واد سحيق فاما ان نرتقي الى مستوى وطن بحامل سياسي بحجم الوطن ومشروع سياسي بحجم الحلم واما ان نتضاءل حتى نصبح وطنا بفكر ثوري هزيل


✍️ طاهر بن طاهر



الأكثر زيارة


قبل التنظير يا عمراني.. ماذا حققتم في معركة تحرير الشمال؟.

الإثنين/12/أكتوبر/2026 - 02:15 ص

بدلاً من مواجهة إخفاقات سنوات الحرب، يحمّل علي أحمد العمراني القوات الجنوبية وقضيتها مسؤولية تعثر ما يسميه ”فجر اليمن“، وكأن المشكلة تكمن في هوية القو


عاجل| بن بريك يطلق تحذيرات خطيرة بشأن تعز ويحذّر من تسليمها .

الإثنين/12/أكتوبر/2026 - 01:42 م

أطلق نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الشيخ هاني بن بريك، تحذيرات بشأن التطورات في محافظة تعز، محذرًا من تداعيات ما وصفه بالمؤامرات التي تستهدف الم


البحسني: انتصارات قواتنا تجسد بسالة المقاتل الجنوبي.. ووحدة .

الإثنين/12/أكتوبر/2026 - 04:38 م

أشاد اللواء الركن فرج سالمين البحسني، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، بالانتصارات والتضحيات الجسيمة التي تسطرها القوات المسلحة الجنوبية في جبهات ا


مصادر: استهداف تجمع حو.ثي في الصالة المغلقة بمديرية المعافر.

الإثنين/12/أكتوبر/2026 - 04:07 ص

مصادر ميدانية الطيران الحربي استهدف تجمعاً للحوثيين في الصالة المغلقة بمدينة النشمة مديرية المعافر ولم تذكر المصادر تفاصيل إضافية حول حجم الخسائر.