الصبيحة نازحون بأجسادهم.. وقلوبهم ما زالت تنزف على أبنائهم الشهداء!
الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - 12:38 ص
صوت العاصمة/ بقلم / نايف الكلدي
أيها الجنوبيون، لا تتركوا من قدّموا فلذات أكبادهم دفاعًا عن أرض الجنوب يواجهون قسوة النزوح ومرارة الحاجة وحدهم! افتحوا لهم أبواب بيوتكم، ومدّوا إليهم أيديكم، وكونوا سندًا حقيقيًا لأسرٍ دفعت أثمانًا باهظة من دماء أبنائها في معركة الدفاع عن الأرض والكرامة.
إن إخواننا وأهلنا من أبناء الصبيحة الذين أجبرتهم الحرب مع مليشيات الحوثي على مغادرة منازلهم وترك ممتلكاتهم وذكرياتهم خلفهم، ليسوا مجرد نازحين يبحثون عن مأوى وغذاء، بل هم أهل مواقف بطولية سطّروها في جبهات القتال، ورجال قدّموا التضحيات الجسام، وسقط من بين صفوفهم شهداء رووا بدمائهم أرض الجنوب دفاعًا عن ترابه وعرضه وكرامته.
اليوم، هؤلاء الأبطال الذين كانوا في مقدمة الصفوف، يجد كثير من أسرهم أنفسهم أمام واقع قاسٍ؛ منازل تركوها خلفهم، وأرزاق انقطعت، واحتياجات يومية لا ترحم، وأطفال ونساء ينتظرون من يمد إليهم يد العون. والأشد إيلامًا أن كثيرًا منهم ليسوا موظفين ولا عسكريين يتقاضون رواتب ثابتة، ما يجعل معاناتهم أشد وحاجتهم إلى المساعدة أكثر إلحاحًا.
فأين نحن منهم؟ وأين الوفاء لرجال قدّموا أغلى ما يملكون من أجل الجنوب؟
يا أبناء الجنوب العربي، من المهرة إلى باب المندب، هذه لحظة الوفاء الحقيقي، وليست لحظة الاكتفاء بالكلمات والشعارات. افتحوا بيوتكم للأسر النازحة، وساهموا في توفير الغذاء والملابس والأدوات المنزلية، وبادروا إلى إنشاء حسابات تبرعات موثوقة وشفافة تصل مساعداتها إلى مستحقيها، ولا تتركوا أسرة شهيد أو مقاتل نازح تواجه الجوع والعوز بمفردها.
إن من واجبنا أن نولي أسر شهدائنا ومقاتلينا النازحين أولوية خاصة في الدعم والرعاية، وأن نضمن وصول المساعدات إلى الأسر الأشد احتياجًا، سواء كانت من أبناء الصبيحة أو من غيرهم؛ فالمعيار هو حجم المعاناة والحاجة، والواجب الوطني والأخلاقي يفرض علينا ألا نخذل من ضحّوا من أجلنا.
تخيّلوا أبًا من أبناء الصبيحة يغادر منزله مضطرًا، وقلبه معلّق بابنه البطل الذي استشهد في جبهة القتال، وأمًّا تحمل وجع الفراق والنزوح معًا، وأطفالًا يبحثون عن الأمان بعد أن تبدّلت حياتهم في لحظة. أيُّ وجعٍ أقسى من أن يفقد الإنسان ابنه، ثم يجد نفسه عاجزًا عن توفير أبسط متطلبات الحياة لأسرته؟
هؤلاء لا يحتاجون إلى كلمات المواساة وحدها؛ إنهم يحتاجون إلى مواقف عملية، وإلى أيادٍ تمتد إليهم، وقلوب تشعر بوجعهم، ومجتمع يثبت لهم أن تضحيات أبنائهم لن تُنسى، وأن دماء الشهداء ليست مجرد حكايات تُروى في المناسبات، بل أمانة في أعناق الجميع.
يا أبناء الصبيحة الأبطال، أنتم لستم وحدكم، وجرحكم جرح الجنوب كله.
ويا كل جنوبي قادر على العطاء، لا تنتظر أن يطرق المحتاج بابك؛ بادر أنت إليه، واسأل عن الأسر النازحة في محيطك، وساهم بما تستطيع، ولو بالقليل. فربُّ أسرة قد يحتاج إلى إيجار منزل، وآخر إلى سلة غذائية، وثالث إلى فراش وغطاء، وقد تكون مساهمتك الصغيرة سببًا في تخفيف معاناة عائلة كاملة.
لقد وقف رجال الصبيحة في أحلك الظروف، وقدّموا الشهداء والجرحى، وضربوا أروع الأمثلة في الشجاعة والتضحية. واليوم جاء دورنا لنقف إلى جانب أسرهم، ونردّ لهم بعض الوفاء، ونؤكد أن الجنوب الذي ضحّوا من أجله لن يترك أبناءهم وأسرهم فريسةً للحاجة والنسيان.
افتحوا لهم بيوتكم، وأطعموا جائعهم، واكسوا أطفالهم، وامسحوا دموع أمهاتهم، وكونوا لهم أهلًا وسندًا.
فالأوطان لا تُبنى بالتضحيات وحدها، بل تُصان أيضًا بالوفاء لأصحاب التضحيات، والوقوف إلى جانب أسرهم حين تشتد عليهم المحن.
الصبيحة قدّمت أبناءها للجنوب، واليوم الجنوب مطالب بأن يحتضن أبناء الصبيحة.
هذه ليست منّةً من أحد، بل واجب الوفاء، وعهد الرجال للرجال.