في ذكراها الـ 63.. تحية الأحرار لثوار ثورة 14 أكتوبر المجيدة وفرسانها الأوائل في الجنوب العربي
الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - 01:43 ص
صوت العاصمة/ بقلم / المحامي والمستشار / سعد عبدالله محمد الحالمي
هلت علينا يوم امس الذكرى الثالثة والستين لثورة ١٤ اكتوبر المجيدة والتي انطلقت شرارتها الأولى من قمم جبال ردفان الشماء والتي توجت بطرد آخر جندي بريطاني من عدن بعد مرحلة كفاح مسلح استمرت نحو ٤ سنوات قدم خلالها فدائيو الجنوب قوافل من الشهداء الأبرار الذين رووا بدمائهم الزكية تربة أرض الجنوب في سبيل التحرر من الاستعمار البريطاني ومن أجل الاستقلال والحرية والشموخ والعزة والكرامة .
وفي مثل هذه الأيام المجيدة من تاريخنا الوطني، تحل علينا الذكرى الـ 63 لانطلاقة ثورة 14 أكتوبر المجيدة، والتي انطلقت شرارتها الأولى من قمم جبال ردفان الشماء .. الثورة التي لم تكن مجرد حدث عابر في مسار التاريخ الجنوبي ، بل كانت ولادة جديدة لأمة، وملحمة بطولية سطرها الأحرار بدمائهم الزكية، وانتصاراً لإرادة شعب أبى أن ينحني لغير الله.
من على قمم جبال ردفان الشماء، انطلقت الشرارة الأولى في 14 أكتوبر 1963م، بقيادة فرسان أوائل آمنوا بأن الحرية لا تُوهب بل تُنتزع، وأن الاستعمار مهما طال ليله، لا بد أن ينجلي بفجر الاستقلال. كانوا قلة في العدد، كثرة في العزيمة، يحملون بنادق بسيطة وقلوباً لا تعرف الخوف، فأرعبوا إمبراطورية كانت لا تغيب عنها الشمس.
نتذكر اليوم بكل فخر واعتزاز أولئك الرجال العظماء الذي ضربوا اروع التضحية والفداء في سبيل الحرية والاستقلال وعلى رأسهم الشهيد البطل راجح بن غالب لبوزة مفجر الثورة، ورفاقه الأبطال الذين توافدوا زرافات ووحدانا من كل حدب وصوب، من عدن وحضرموت وأبين وشبوة ولحج والضالع والمهرة وسقطرى، ليكتبوا بدمائهم وثيقة الاستقلال الأولى في 30 نوفمبر 1967م.
إن ثورة 14 أكتوبر لم تكن ثورة لتحرير الأرض فحسب، بل كانت ثورة لتحرير الإنسان والهوية والكرامة. ثورة علمت الأجيال أن الوطن لا يبنى إلا بالتضحية، ولا يصان إلا بوحدة الصف، وأن الجنوب العربي كان وما زال عصياً على كل محاولات الطمس والتهميش.
واليوم، ونحن نعيش في غمرة الاحتفاء بهذه الذكرى الخالدة و العزيزة على قلوبنا ، فإننا نستلهم منها الدروس والعبر .. نستلهم منها أن وحدة الصف والإرادة الشعبية حين تتوحد للتعبير عن تطلعات الشعب ، لا يمكن أن يكسرها أي مشروع دخيل، وأن مبادئ ثورة الرابع عشر من أكتوبر المتمثلة في الحرية والعدالة والكرامة والمساواة والسيادة الوطنية، ستظل هي البوصلة التي توجه مسارنا نحو المستقبل .
وفي ذروة الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني 1963 - 1967 سطر فدائيو ومناضلو الجبهة القومية لتحرير الجنوب العربي المحتل ملاحم بطولية ستبقى خالدة في ذاكرة الجنوب العربي، في مواجهة الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس والتي جثمت على أنفاس أبناء الجنوب 129 عاماً ، عانى خلالها أبناء الجنوب شتى أنواع الظلم والقهر والتجهيل.
ومن أبرز تلك المآثر البطولية التي سطرها فدائيو الجبهة القومية لتحرير الجنوب العربي تفجير ثورة 14 أكتوبر 1963 من جبال ردفان . . وبعد استشهاد البطل راجح بن غالب لبوزة تحولت جبال ردفان الشماء إلى قلعة ثورية المناضلين والفدائيين الذي توافدوا من كل محافظات الجنوب ، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تعلن بريطانيا منطقة "ردفان" منطقة محظورة وتفشل في اقتحامها رغم استخدامها الطيران الحربي والمدفعية الثقيلة ، وكذلك خاض الفدائيون حرب عصابات منظمة أربكت القيادة البريطانية، دمروا خلالها عشرات الآليات العسكرية وأسقطوا طائرات مروحية، وأجبروا بريطانيا على سحب حامياتها من القرى الجبلية والتمركز في معسكرات محصنة.
وهكذا تم نقل الثورة إلى عدن عن طريق العمل الفدائي المنظم .. وشكلت الجبهة القومية تنظيمها الفدائي السري في مدينة عدن، التي كانت تُعد ثاني أهم قاعدة عسكرية بريطانية في العالم بعد السويس ، وقامت بتنفيذ مئات العمليات الفدائية ضد الضباط وجنود المظلات البريطانية في كريتر والمعلا والتواهي والشيخ عثمان ، وزرع العبوات في نادي الضباط البريطانيين، ومقر المخابرات البريطانية، ومحطات الرادار في جبل شمسان ، واغتيال كبار ضباط المخابرات البريطانية MI6 مما أفقد الاحتلال توازنه الأمني.
وقادت الجبهة القومية إضراباً عمالياً شل ميناء عدن ومصفاة البريقة وقاعدة العند الجوية، وتحويل كل بيت في عدن إلى مصنع للقنابل اليدوية ومأوى للفدائيين، في تلاحم شعبي لم يسبق له مثيل.
وكانت معركة كريتر - 20 يونيو 1967 (يوم النصر) بمثابة المأثرة ، حين تمكن الفدائيون من تحرير مدينة كريتر بالكامل وإعلانها منطقة محررة لمدة 17 يوماً، بعد تمرد الشرطة وسقوط 22 قتيلاً بريطانياً في كمين واحد. فشلت القوات البريطانية بكل فرقها (الاسكتلندية والملكية) في استعادتها إلا بعد قصف عنيف، وكان ذلك اليوم هو المسمار الأخير في نعش الاحتلال وأجبر بريطانيا على إعلان موعد الانسحاب المبكر.
وقدمت الجبهة القومية تضحيات جسام تمثلت بآلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين، تعرضوا لأبشع أساليب التعذيب في سجن المنصورة وقلعة صيرة، ولم يتراجعوا قيد أنملة.
تلك البطولات لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل كانت مدرسة في التضحية والفداء، أثبتت أن إرادة شعب صغير يحمل قضية عادلة، قادرة على هزيمة أعظم إمبراطورية استعمارية في التاريخ، وانتزاع الاستقلال في 30 نوفمبر 1967
إن الوفاء لشهداء ومناضلي ثورة أكتوبر لا يكون بالشعارات والاحتفالات فحسب، بل يكون بالسير على دربهم، والحفاظ على المكتسبات التي ضحوا من أجلها، والعمل على بناء دولة الجنوب العربي الحرة المستقلة التي حلموا بها، دولة يسودها النظام والقانون والعدالة والمساواة.
وفي هذه المناسبة لا يسعنا إلا أن نترحم لكل شهداء الجنوب منذ انطلاق ثورة الرابع عشر من أكتوبر عام ١٩٦٣م وحتى اليوم ، ونجدد العهد لهم بأننا ماضون على الطريق الذي استشهدوا من أجله ، ولا يسعنا إلا أن نحيي كل الجرحى والمعتقلين والمناضلين الذي دافعوا ببسالة من أجل الحرية والاستقلال واستعادة دولة الجنوب ، ونحيي ابطال المقاومة والقوات المسلحة الجنوبية الذي اجترحوا البطولات لمواجهة الاستعمار البريطاني والاحتلال اليمني والغزو الحوثي ، والتحية لشعبنا الجنوبي الصامد في وجه الحصار المفروض عليه من قبل قوى الاحتلال الشمالي .. والتحية لكل المرابطين في جبهات القتال ، ولكل الغيورين على وطننا الجنوبي المطالبين بحريته واستقلاله واستعادة دولته .
ونجدد العهد والولاء للرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، على المضيّ قدماً بقيادته الشجاعة على درب الآباء والأجداد حتى التحرير الكامل لوطننا الجنوب واستعادة دولته كاملة السيادة .
وتحية إجلال وإكبار لأرواح شهداء ثورة 14 أكتوبر الأبرار.
تحية وفاء لمناضليها الأحياء الذين ما زالوا بيننا يحملون شعلة الثورة.
تحية لكل أحرار الجنوب العربي الذين ما زالوا على العهد، أوفياء لدماء الشهداء وتضحيات الثوار.
عاشت ذكرى 14 أكتوبر مجيدة خالدة.. والمجد والخلود للشهداء.