وهم العاصفة وأطماع الوصاية: كيف تحولت عاصفة الحزم إلى غزو سعودي مقنع للجنوب؟
السبت - 17 أكتوبر 2026 - 11:41 م
صوت العاصمة/ كتب فضل صالح
تحت شعار إعادة الشرعية وحماية الجوار، تسللت السعودية إلى المشهد اليمني عام 2015 عبر تحالف عربي عريض، مُروجةً لرواية إنقاذ الدولة اليمنية من الانهيار. غير أن السنوات اللاحقة أثبتت أن هذه الشعارات لم تكن سوى غطاء سياسي ودبلوماسي محكم لغزو استراتيجي طويل الأمد، يهدف إلى تقويض الكيان اليمني، وإحكام السيطرة المطلقة على مقدراته، وتحديداً في جنوبه الحيوي. لقد نجحت الرياض في هندسة مشهد عبثي من الوصاية المقنعة، متجاوزةً كل الأعراف الدولية وميثاق الأمم المتحدة الذي يُفترض أن يحمي سيادة الدول لا أن يشرعن تمزيقها واحتلالها الناعم.
لم يكن التحالف العربي سوى أداة مؤقتة في أجندة الهيمنة السعودية؛ إذ دأبت الرياض بمنهجية على التخلص من أي شريك حقيقي إقليمي، أو وطني يمتلك مشروعاً وطنياً أو استقلالاً في القرار. وتجسد هذا السلوك بوضوح في محطات عديدة، بدءاً من التخلص من الحلفاء، وانتهاء باستهداف القوات الجنوبية في حضرموت لرفض أي وجود عسكري متماسك خارج السيطرة المطلقة للغرفة العسكرية السعودية، مروراً بمنع أي دعم إقليمي حقيقي للقوات الجنوبية بهدف تركيع الجبهة الداخلية، وصولاً إلى احتجاز وفد المجلس الانتقالي الجنوبي المفاوض في الرياض وإجباره تحت التهديد على إقرار قرارات تمس بمستقبل الجنوب، والسعي المستمر لحل المجلس الانتقالي الجنوبي من قلب العاصمة السعودية.
وتتذرع الدوائر السياسية والعسكرية في الرياض بأن محافظات حضرموت وشبوة والمهرة الجنوبية تمثل عمقاً استراتيجياً وحماية لأمنها القومي، رافضةً بشكل قاطع تواجد أي قوات جنوبية وطنية فيها. إن هذا الإدعاء يكشف عن النوايا الحقيقية للغزو؛ فالمسألة لا تتعلق بأمن الحدود، بل بالسيطرة على الجغرافيا الغنية بالثروات النفطية والمنافذ البحرية الحيوية على بحر العرب ومحيطه، وتحويل هذه المحافظات الاستراتيجية إلى مناطق نفوذ خالصة تدار بعقلية الاستعمار المباشر بعيداً عن أي شراكة حقيقية.
لم تقتصر أطماع الغزو على الجانب العسكري والجغرافي، بل امتدت لتشمل تدمير بنية الدولة والمجتمع الجنوبي عبر أدوات خبيثة. فقد تحكمت الرياض كلياً بما يُسمى بالشرعية اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي، وعملت على فض الشراكة مع الجنوبيين وتهميشهم سياسياً عبر إقصاء القيادات المعارضة للتدخلات السعودية واستبدالهم بقيادات خاضعة ومطيعة. كما سعت الرياض لتفريغ المكونات التحررية عبر تأسيس مجالس تنسيقية هزيلة في المحافظات الجنوبية، إلى جانب دعم قوات عسكرية وأمنية هشة تنظيمياً لتظل تابعة لغرفة العمليات السعودية حصراً. وتتوج المشهد بفرض وصاية سافرة تمثلت في وضع حاكم سعودي في عدن يدير شؤون العاصمة المؤقتة، وإلى جانب ذلك، مورست حرب اقتصادية شعواء تمثلت في التلاعب المتعمد بالعملة والصرف والاقتصاد لتركيع الشعب الجنوبي وإشغاله بلقمة عيشه عن مشروعه السياسي.
إن ما تمارسه السعودية في اليمن والجنوب تحديداً لا يمت لدعم الشرعية بصلة، بل هو غزو موصوف وانتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي التي تحظر احتلال الدول أو التدخل في شؤونها الداخلية أو فرض الوصاية عليها. وإن الأمم المتحدة ومجلس الأمن مطالبون اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بالخروج عن صمتهم، وفتح تحقيق دولي عاجل في جرائم الوصاية السعودية والانتهاكات الجسيمة بحق الشركاء لا سيما الجنوبيين، والعمل على إنهاء هذا الاحتلال المقنع الذي جلب للبلاد الخراب والفقر والتشظي. التاريخ لا يرحم، والشعوب التي قاومت أعتى الإمبراطوريات لن تسقط أمام أوهام الغزاة الجدد.