مداد العاصمة



القضية الجنوبية وأخطاء السياسة: هل تعيد السعودية إنتاج سياسات فشلت في معالجة الأزمة؟

الأربعاء - 21 أكتوبر 2026 - 03:40 م

القضية الجنوبية وأخطاء السياسة: هل تعيد السعودية إنتاج سياسات فشلت في معالجة الأزمة؟

صوت العاصمة/ بقلم: د. شلال عفيف



إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي دولة أو قوة سياسية هو أن تتعامل مع الواقع وفق ما تريد أن يكون، لا وفق ما هو عليه فعلًا. فالقضايا الوطنية لا تُحل بفرض الإرادة، ولا بشراء الولاءات، ولا بصناعة ممثلين سياسيين، وإنما بالاعتراف بالحقائق واحترام إرادة الشعوب والتعامل الجاد مع مطالبها.

منذ قيام الوحدة اليمنية عام 1990، تعاملت القوى السياسية الشمالية التي هيمنت على السلطة مع القضية الجنوبية بمنطق لم يقم على الشراكة المتكافئة ومعالجة الاختلالات، بقدر ما اتجه إلى تكريس النفوذ وتهميش الإرادة الجنوبية، ثم محاولة احتواء المطالب السياسية عبر استقطاب بعض الشخصيات وتوزيع المناصب والامتيازات، بدلًا من معالجة جوهر القضية.

وقد أثبتت السنوات أن هذه السياسة لم تنجح في إنهاء القضية الجنوبية، بل أسهمت في تعميقها وتحويلها إلى قضية سياسية وشعبية أكثر رسوخًا في الوعي الجنوبي.

أولًا: منذ عام 1990.. من مشروع الشراكة إلى أزمة الثقة

قامت الوحدة اليمنية عام 1990 على أساس قيام دولة واحدة، لكن مسار التجربة وما رافقها من اختلالات وصراعات انتهى إلى حرب عام 1994، التي شكّلت منعطفًا حاسمًا في العلاقة بين الشمال والجنوب، وأعقبتها ممارسات وشكاوى واسعة تتعلق بالإقصاء والتهميش والاستيلاء على الأراضي والممتلكات وتسريح الموظفين العسكريين والمدنيين الجنوبيين.

وبدلًا من معالجة تلك المظالم من خلال إصلاحات سياسية ومؤسسية جادة، ظلت القضية الجنوبية لسنوات طويلة موضع إنكار أو تسويف أو محاولات للاحتواء السياسي.

وهنا وقع الخطأ الجوهري: التعامل مع القضية باعتبارها مشكلة يمكن إدارتها أمنيًا وسياسيًا، لا قضية تتطلب معالجة عادلة لجذورها وأسبابها.

ثانيًا: الحراك الجنوبي.. حين قوبلت المطالب الشعبية بسياسة الاحتواء

مع انطلاق الحراك الجنوبي عام 2007، خرجت المطالب الجنوبية إلى المجال العام بصورة متصاعدة، معبرة عن تراكم طويل من المظالم والتطلعات السياسية.

لكن القوى الحاكمة لم تتعامل مع هذا التحول بما يتناسب مع حجمه وأبعاده، بل لجأت إلى أساليب متعددة، من بينها استقطاب شخصيات جنوبية وتعيينها في مناصب رسمية، والرهان على أن منح الامتيازات لبعض الأفراد يمكن أن يؤدي إلى احتواء القضية وإضعاف زخمها الشعبي.

غير أن هذه المقاربة تجاهلت حقيقة أساسية: المنصب لا يصنع شرعية شعبية، والولاء السياسي لا يمنح صاحبه حق تمثيل شعب، والتمثيل الحقيقي لا يُفرض من مراكز السلطة، بل يستند إلى القبول والثقة والإرادة الشعبية.

فالقضية الجنوبية لم تكن يومًا مجرد خلاف بين شخصيات على المناصب، حتى تُحل بتوزيعها، بل قضية ذات جذور تاريخية وسياسية، تتصل بمستقبل الجنوب وشكل الدولة والعلاقة بين الشمال والجنوب.

ثالثًا: المبادرة الخليجية ومؤتمر الحوار الوطني.. تسويات لم تحسم القضية الجنوبية

مع أحداث عام 2011، ثم المبادرة الخليجية ومؤتمر الحوار الوطني، أتيحت فرصة لإعادة بناء العملية السياسية على أسس أكثر عدالة وشمولًا. لكن القضية الجنوبية لم تحظَ بمعالجة استطاعت أن تحقق توافقًا جنوبيًا واسعًا حول مستقبلها.

كما أن آليات التمثيل في الحوار الوطني لم تنجح في إنهاء الخلاف حول من يمتلك التفويض الشعبي للتحدث باسم الجنوب، فيما بقيت مطالب أساسية لدى الجنوبيين دون معالجة تحظى بقبولهم.

وكانت النتيجة أن مخرجات الحوار لم تتمكن من بناء توافق سياسي جنوبي مستدام، وظلت الفجوة قائمة بين التصورات التي طرحتها القوى السياسية وبين تطلعات الشارع الجنوبي.

وهذا يؤكد أن أي عملية سياسية تتجاوز أصحاب القضية، أو تفترض أن مجرد مشاركة شخصيات جنوبية في الاجتماعات تكفي لتحقيق التمثيل، إنما تخاطر بإنتاج تسويات تفتقر إلى الشرعية الشعبية اللازمة لنجاحها.

رابعًا: المجلس الانتقالي الجنوبي.. لا يمكن تجاوز الثقل الشعبي بقرارات سياسية

جاء تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 في سياق تطورات سياسية وشعبية متراكمة، ليصبح أحد أبرز الفاعلين في المشهد الجنوبي، ويحظى بشعبية واسعة وحاضنة جماهيرية كبيرة، خصوصًا في ما يتعلق بمطلب استعادة دولة الجنوب.

ومهما اختلفت المواقف السياسية من المجلس الانتقالي، فإن أي قراءة جادة للمشهد الجنوبي لا يمكنها تجاهل حضوره الشعبي والسياسي وموقعه في معادلة القضية الجنوبية.

ولا يعني ذلك إنكار التعددية الجنوبية أو حق بقية المكونات في المشاركة السياسية، وإنما يعني أن التعددية لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لتجاوز القوة ذات الثقل الجماهيري الأوسع، أو إلى مبرر لصناعة تمثيل بديل وفق رغبات الأطراف الخارجية.

فمن حق كل مكوّن جنوبي أن يعبّر عن رؤيته، لكن ليس من حق أي طرف أن يفترض أن بإمكانه إعادة تشكيل الإرادة الشعبية من خلال المناصب والامتيازات والضغوط السياسية.

إن الاعتراف بالتعددية شيء، ومحاولة استخدام التعددية لتجاوز موازين القوى الشعبية شيء آخر تمامًا.

خامسًا: السياسة السعودية في الجنوب.. هل تتكرر أخطاء الماضي؟

المؤسف أن السياسة السعودية تجاه الجنوب تبدو، في نظر كثير من أنصار القضية الجنوبية، وكأنها تعيد إنتاج بعض الأساليب التي مارستها القوى الشمالية لعقود؛ من خلال استقطاب شخصيات ومكونات جنوبية، ومنحها مواقع سياسية، ومحاولة ترتيب المشهد بما يتوافق مع الرؤية السعودية، دون إعطاء الوزن الكافي للإرادة الشعبية وموازين القوى الفعلية على الأرض.

إن المشكلة ليست في أن تدعم المملكة مكونات جنوبية متعددة، أو أن تسعى إلى توسيع المشاركة في الحوار السياسي؛ فالتعددية والحوار أمران مشروعان وضروريان. المشكلة تكمن في أن يتحول هذا المسار إلى أداة لتجاوز القوى ذات الثقل الشعبي، أو إلى محاولة لتمرير مشاريع سياسية لا تستجيب لتطلعات أبناء الجنوب.

فإذا كانت التجارب السابقة قد أثبتت أن تعيين شخصيات جنوبية في المناصب لم ينهِ القضية، وأن التسويات التي لا تحظى بقبول جنوبي واسع لم تتمكن من إغلاق ملفها، فما الذي يجعل الاعتقاد بأن تكرار الأساليب ذاتها سيؤدي اليوم إلى نتيجة مختلفة؟

إن المملكة، بما تمتلكه من نفوذ وإمكانات، تستطيع أن تلعب دورًا مؤثرًا في دعم تسوية سياسية مستقرة، لكن ذلك يتطلب الانتقال من سياسة إدارة القضية والتحكم في أطرافها إلى سياسة الاعتراف بها والتعامل الجاد مع مطالب أصحابها.

فالنفوذ قد يتيح التأثير في مسار الأحداث، لكنه لا يمنح وحده شرعية تمثيل الشعوب، والمال قد يشتري الولاءات، لكنه لا يستطيع شراء الإرادة الشعبية بصورة مستدامة.

سادسًا: فرض الوحدة بالقوة.. طريق لا يقود إلى الاستقرار

من أكثر الأخطاء السياسية خطورة الاعتقاد بأن الوحدة يمكن فرضها بالقوة، أو أن التمسك بصيغتها السياسية والقانونية يكفي لإعادة إنتاج القبول الشعبي بها، بصرف النظر عن التجربة التاريخية ومطالب أبناء الجنوب.

إن الوحدة السياسية لا تستمد استدامتها من النصوص والقرارات وحدها، بل من العدالة والشراكة والقبول الشعبي. وعندما تتآكل هذه الأسس، يصبح الإصرار على فرضها بالقوة عاملًا لتكريس الصراع، لا لإنهائه.

ولا تستطيع أي قوة، مهما بلغت إمكاناتها العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية، أن تضمن استقرارًا دائمًا من خلال فرض واقع يتعارض مع إرادة شعب متمسك بتطلعاته السياسية. فقد تفرض القوة ترتيبات مؤقتة، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة القبول أو بناء الثقة أو إنهاء المطالب الوطنية.

إن مستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب لا يمكن حسمه بقرارات أحادية أو ضغوط خارجية أو محاولات لإعادة تشكيل التمثيل السياسي الجنوبي. بل يتطلب الاعتراف بالقضية الجنوبية، واحترام إرادة أبنائها، وفتح مسار سياسي جاد يتيح لهم التعبير عن تطلعاتهم وتحديد مستقبلهم السياسي بحرية.

ففرض الوحدة بالقوة لا يصنع وحدة مستقرة، وتجاهل الإرادة الشعبية لا يلغيها، بل يحول القضية السياسية إلى أزمة مفتوحة تتوارثها الأجيال.

الخلاصة: لا تكرروا أخطاء الماضي

إن جوهر المشكلة في التعامل مع القضية الجنوبية يتمثل في الإصرار على تجاهل الواقع، ومحاولة استبدال الإرادة الشعبية بترتيبات سياسية تُصنع من أعلى، والاعتقاد بأن المال والنفوذ قادران على تجاوز المطالب الوطنية.

لقد أثبتت التجربة منذ عام 1990 أن تهميش القضية الجنوبية لم يؤدِّ إلى إنهائها، وأن استقطاب الشخصيات لم ينتج بديلًا عن التمثيل الشعبي، وأن التسويات التي لا تعالج جذور الأزمة لا تستطيع ضمان استقرار مستدام.

واليوم، فإن تكرار هذه السياسات من أي طرف، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، لن يغير طبيعة القضية ولا حقيقة حضورها في الوعي السياسي والشعبي الجنوبي.

رسالتنا إلى المملكة واضحة: لا تكرروا في الجنوب أخطاء القوى الشمالية، ولا تراهنوا على المال والنفوذ لتجاوز الإرادة الشعبية، ولا تجعلوا الحفاظ على ترتيبات سياسية مسبقة أولوية على حساب معالجة القضية من جذورها.

إن الطريق إلى الاستقرار يبدأ بالاعتراف بالواقع، واحترام الثقل الشعبي للمجلس الانتقالي الجنوبي، وعدم إقصاء بقية المكونات، والتعامل مع تطلعات أبناء الجنوب باعتبارها قضية سياسية حقيقية تستحق حلًا عادلًا ومستدامًا.

فالقضايا الوطنية لا تموت بالتجاهل، والإرادة الشعبية لا تُلغى بالضغوط، والواقع لا يتغير لمجرد أن أصحاب القرار يرفضون الاعتراف به.

وقد تنجح سياسات الاحتواء في تأجيل المواجهة مع الحقيقة، لكنها لن تكون بديلًا عن مواجهتها.

إن السياسة الحكيمة ليست في فرض ما تريده على الشعوب، بل في إدراك ما يريده الناس، واحترام إرادتهم، وبناء الحلول على هذا الأساس. أما تجاهل الحقيقة، مهما طال أمده، فليس حلًا للأزمة، بل تأجيل لتبعاتها.



الأكثر زيارة


البنك المركزي اليمني يجمّد أموال 135 شخصاً وكياناً مرتبطاً ب.

الثلاثاء/20/أكتوبر/2026 - 09:41 م

البنك المركزي اليمني يوجّه بتجميد أموال 135 شخصًا وكيانًا وسفينة بحرية مرتبطة بالحوثيين، وحظر التعاملات المالية والتجارية معهم، تنفيذًا لقرار النائب ا


لماذا لم تنجح الحكومة حتى اليوم في إنشاء قطاع اتصالات مستقل .

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 02:57 ص

على مدى سنوات الحرب في اليمن كانت الاتصالات التي تسيطر عليها المليشيا الحوثية الكهنوتية منذ إعلان تمردها وسقوط عاصمة اليمن الشقيق صنعاء أواخر العام 20


اجتماع موسع في قعطبة يناقش أوضاع المعلمين وتحديات العملية ال.

الثلاثاء/20/أكتوبر/2026 - 10:33 م

شهدت مديرية قعطبة بمحافظة الضالع عقد اجتماع موسع ترأسه وكيل أول المحافظة العميد صالح أحمد صالح، ومدير عام المديرية المهندس عبد الوهاب شايف سنان، للوقو


القوات المسلحة الجنوبية تخوض معركة الدفاع عن الجنوب ومشروعه .

الأربعاء/21/أكتوبر/2026 - 02:06 ص

تكشف وقائع المعارك الدائرة على مختلف محاور جبهات الجنوب العربي الحدودية مع اليمن الشمالي عن مواجهة عسكرية واسعة بين الجنوب وقواته المسلحة والمقاومة ال