هل يدفع وضاح الحالمي ثمن مواقفه السياسية؟
الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 - 12:02 ص
صوت العاصمة/ كتب / غازي العلـــوي :
رفيق الأمس.. صاحب مقترح الإعفاء اليوم
لماذا يقترح رفيق الأمس إعفاء رفيق درب النضال؟
من يملك صلاحية إعفاء وكيل عُيّن بقرار جمهوري؟
كيف يتحول قرار الإعفاء إلى قضية تتجاوز حدود المنصب؟
لماذا لم تتحول خلافات الحالمي مع المحافظ السابق أحمد التركي إلى قرار مماثل؟
هل يريد البعض أن يتحول الحالمي والعطفي إلى خصمين؟
ألم يكن الأجدر حل الخلافات بالحوار بدلًا من قرارات الإعفاء؟
ماذا وراء القرار.. إجراء إداري أم حسابات سياسية؟
حين تتحول القرارات الإدارية إلى أدوات للإقصاء، يصبح السؤال أكبر من منصب، وتغدو القضية متعلقة بالوفاء للنضال، واحترام القانون، وحماية النسيج الوطني الجنوبي من محاولات التفريق والاستهداف.
ليس كل قرار يصدر عن سلطة إدارية يُطوى أثره بمجرد صدوره، فهناك قرارات تفتح أبوابًا واسعة من التساؤلات، وتضع أصحابها أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية وقانونية لا يمكن تجاوزها بالتبريرات الإدارية المعتادة. ومن هذا الباب يأتي قرار إعفاء الأستاذ وضاح الحالمي من منصبه وكيلًا لمحافظة لحج لشؤون الشباب، وتعيين شاب آخر بديلًا عنه، في خطوة أثارت استياءً وتساؤلات بشأن خلفياتها وتوقيتها والجهة التي دفعت باتجاهها.
إن المسألة هنا ليست مجرد تغيير في موقع وظيفي، ولا خلافًا عابرًا حول توزيع المناصب، بل قضية تتصل برجل ارتبط اسمه بالحركة الشبابية الجنوبية، وحمل مسؤوليات سياسية ووطنية في مراحل مفصلية، وظل حاضرًا في قضايا الشباب وتطلعاتهم في لحج والجنوب عمومًا.
قرار يثير أسئلة القانون قبل حسابات السياسة
عُيّن وضاح الحالمي وكيلًا لمحافظة لحج لشؤون الشباب بموجب القرار الجمهوري رقم (73) لسنة 2016م، الذي أصدره الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول مدى اختصاص الجهة التي أصدرت قرار الإعفاء، ومدى توافق الإجراء مع الأداة القانونية التي صدر بها التعيين.
فإذا كان التعيين قد صدر بقرار جمهوري، فإن المسألة لا ينبغي أن تُحسم بالاجتهادات أو التقديرات السياسية، وإنما بالرجوع إلى النصوص القانونية المنظمة للتعيين والإعفاء، والتحقق من الجهة المختصة قانونًا باتخاذ القرار والإجراءات الواجب اتباعها.
وهنا تكمن أهمية المسألة: هل جرى احترام التدرج القانوني والإجراءات الواجبة، أم أن المنصب أصبح ساحة لتصفية الحسابات وإعادة ترتيب المواقع وفق اعتبارات سياسية؟
هل يدفع الحالمي ثمن مواقفه الوطنية؟
لا يمكن فصل هذه الخطوة، في نظر كثير من المتابعين، عن السياق السياسي الذي جاء فيه استهداف وضاح الحالمي، خصوصًا بعد توليه عضوية هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس، وما يرافق هذا الموقع من مسؤوليات سياسية وتنظيمية.
لقد ظلت مواقف الحالمي السياسية والوطنية محل اختلاف مع أطراف متعددة، لكن الاختلاف في المواقف لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للإقصاء أو التضييق، ولا يجوز أن يصبح الموقع الوظيفي وسيلة لمعاقبة أصحاب المواقف التي لا تنسجم مع توجهات جهات نافذة.
ومن هنا، فإن التساؤلات التي يثيرها القرار تتجاوز شخص الحالمي إلى طبيعة التعامل مع القيادات الجنوبية التي تتمسك بمواقفها السياسية، ومدى احترام حقها في ممارسة دورها دون أن تتحول الوظائف العامة إلى أدوات ضغط أو وسائل لتطويع المواقف.
وإذا كان الهدف من القرار، هو إبعاد الحالمي عن محيطه الشبابي أو إضعاف حضوره وتأثيره، فإن مثل هذه الخطوات لن تمحو ما راكمه من علاقات وخبرات، ولن تجعل سنوات العمل مع الشباب وكأنها لم تكن.
فالمواقف لا تُقاس بمسمى وظيفي، والحضور بين الناس لا تمنحه ورقة تعيين وحدها، كما أن الثقة التي تُبنى عبر سنوات من العمل لا تُنتزع بقرار إداري.
الصدمة الأكبر: أن يأتي المقترح من رفيق الأمس
لعل أكثر ما يثير الاستغراب والتذمر في هذه القضية ، هو أن قرار الإعفاء جاء بناءً على مقترح من محافظ لحج مراد الحالمي، الذي كان حتى يناير من العام الجاري يعمل ضمن المنظومة القيادية للمجلس الانتقالي الجنوبي.
وهنا تتضاعف الأسئلة، ليس بسبب الاختلاف السياسي في حد ذاته، فلكل شخص حساباته وتقديراته، وإنما بسبب ما يتركه هذا التحول من شعور بالخذلان لدى من اعتقدوا أن رفاق درب النضال يدركون جيدًا قيمة الوفاء، وخطورة تحويل الخلافات إلى إجراءات تستهدف أشخاصًا ارتبطت مسيرتهم بمشروع سياسي ونضالي مشترك.
لم يكن المنتظر من أي قيادة جنوبية، مهما اختلفت حساباتها أو مواقعها، أن تجعل من الخلافات مدخلًا إلى إجراءات قد تُفهم باعتبارها استهدافًا لرفيق الأمس. وكان الأولى أن تُدار الاختلافات بالحوار، وأن تُفصل المسؤوليات الإدارية عن المواقف السياسية، وأن تظل المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية.
فالعمل السياسي لا يُختبر فقط في أوقات التوافق، بل تظهر معادنه الحقيقية حين تتباين المواقف وتتعارض المصالح. وفي تلك اللحظات تحديدًا، يصبح الوفاء للمبادئ والقيم أكثر أهمية من الوفاء للمواقع والمناصب.
وإذا كانت هناك مبررات إدارية موضوعية وراء المقترح، فمن حق الرأي العام أن يعرفها بوضوح، وأن تُعرض الإجراءات وأسانيدها القانونية بشفافية؛ أما إذا كانت وراءها حسابات سياسية، فإن ذلك يستدعي مراجعة مسؤولة قبل أن تتسع دائرة الخلاف وتنعكس آثارها على الشباب والمجتمع في لحج والجنوب.
أحمد التركي.. خلافات لم تُلغِ الاعتبارات
ومن المفيد في هذا السياق استحضار تجربة محافظ لحج السابق اللواء أحمد التركي، الذي شهدت علاقته بوضاح الحالمي خلافات وتباينات خلال فترة تولي الأخير رئاسة الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي الجنوبي في المحافظة.
وعلى الرغم من تلك الخلافات، فإن ما يستحق التوقف عنده هو عدم اتخاذ خطوة مماثلة لإعفاء الحالمي من منصبه وكيلًا للمحافظة لشؤون الشباب، بحسب ما هو معلوم في هذا السياق.
وهذه المقارنة لا تعني أن الخلافات السابقة كانت غائبة، ولا أنها تجعل أي مسؤول بمنأى عن التقييم والمساءلة، لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا لم تتحول الخلافات آنذاك إلى خطوة من هذا النوع، بينما يجري اليوم الدفع نحو تغيير يثير كل هذه التساؤلات؟
وضاح الحالمي.. الشباب قضية لا منصب
أما الذين يعتقدون أن إبعاد وضاح الحالمي عن موقعه الرسمي يمكن أن ينهي علاقته بالشباب أو يضع حدًا لحضوره في أوساطهم، فإنهم يغفلون حقيقة أساسية: أن العلاقة بين القيادات الشبابية وقواعدها لا تُبنى بقرار إداري ولا تنتهي بقرار آخر.
لقد ارتبط اسم الحالمي بمسيرة الحركة الشبابية الجنوبية، وظل حضوره متصلًا بقضايا الشباب وطموحاتهم، في لحج والجنوب عمومًا. ومهما اختلفت الآراء حول أدائه أو مواقفه، فإن سنوات العمل السياسي والشبابي لا يمكن اختزالها في منصب حكومي، ولا يجوز التعامل معها وكأنها امتياز مؤقت يمكن سحبه لإنهاء دور صاحبه.
فالشباب لا يحتاجون إلى مسؤول يشغل موقعًا رسميًا فحسب، بل إلى من يصغي إلى قضاياهم، ويدافع عن فرصهم، ويساند مبادراتهم، ويقف إلى جانب تطلعاتهم في المشاركة وصناعة المستقبل. وهذه المسؤولية لا ينبغي أن تكون حكرًا على منصب أو جهة، بل التزامًا مستمرًا تجاه جيل يمثل ركيزة أساسية في حاضر الجنوب ومستقبله.
ومن هذا المنطلق، فإن إبعاد الحالمي عن موقعه، إن مضى القرار دون مراجعة، لا يعني بالضرورة إبعاده عن قضايا الشباب، كما أن مسؤولية دعمهم لا تسقط عن أي قيادة بسبب تغير موقعها الوظيفي.
سيبقى معيار العلاقة بالشباب هو العمل والمواقف والوفاء، لا الألقاب والمكاتب. وسيظل من حق شباب لحج والجنوب أن يسألوا عن أسباب القرارات التي تمس الشخصيات المرتبطة بقضاياهم، وأن يطالبوا بإدارة مؤسسية عادلة تحمي مصالحهم من التجاذبات السياسية.
لسنا ضد فريد العطفي.. بل ضد تحويل الشباب إلى ساحة صراع
ومن الضروري هنا التأكيد بوضوح أن رفض قرار إعفاء وضاح الحالمي لا يستهدف الشاب فريد العطفي، الذي عُيّن بديلًا عنه، ولا ينتقص من شخصه أو قدراته، بل إننا نكن له كل الاحترام والتقدير، ونرى أن الشباب الجنوبي يستحقون فرصًا أكبر ومساحات أوسع للمشاركة وتحمل المسؤولية.
إن الاعتراض ليس على فريد العطفي، ولا على حق أي شاب في تولي موقع قيادي أو إداري وفقًا للقانون والكفاءة، وإنما على الطريقة التي جرى بها التغيير، وعلى ما يثيره من تساؤلات قانونية وسياسية، وعلى احتمال أن تتحول هذه الخطوة إلى مدخل لإثارة خلاف بين شخصيتين تنتميان إلى الوسط الشبابي الجنوبي.
ولن يكون من الحكمة أن يُدفع الشباب إلى مواجهة بعضهم بعضًا، أو أن يُصوَّر الأمر وكأنه معركة بين وضاح الحالمي وفريد العطفي. فهذه هي المعادلة التي يجب رفضها: أن ينشغل الشباب بصراع فيما بينهم، بينما تظل الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمشروعية القرار وخلفياته بعيدة عن النقاش.
فريد العطفي ليس خصمًا لوضاح الحالمي لمجرد أنه تسلم المنصب، كما أن وضاح الحالمي ليس خصمًا لفريد لمجرد اعتراضه على قرار الإعفاء. والخلط بين الأمرين يسيء إلى الرجلين معًا، ويضع الشباب في مواجهة لا تخدمهم ولا تخدم لحج أو الجنوب.
إن المسؤولية تقتضي من الجميع عدم الانجرار إلى أي محاولة لتأجيج الخلافات، وعدم السماح بتحويل التباينات الإدارية إلى خصومة شخصية أو انقسام شبابي. وإذا كانت هناك جهة تراهن على أن هذا القرار سيؤدي إلى صدام بين الشباب أو يفتح بابًا لتصفية الحسابات، فإن أفضل رد هو الوعي، والتمسك بالحوار، والاحتكام إلى القانون، وإغلاق الطريق أمام الفتنة.
وسيبقى وضاح الحالمي.. لأن الشباب أكبر من المناصب
في نهاية المطاف، قد تتغير المناصب، وقد تتبدل المواقع، وقد يختلف رفاق الأمس في تقديراتهم ومساراتهم، لكن القضايا التي آمن بها الناس لا ينبغي أن تتحول إلى رهائن للخلافات، والشباب الذين يستحقون الرعاية والدعم لا يجوز أن يصبحوا وقودًا لصراعات القيادات.
إن دفاعنا عن وضاح الحالمي في هذه القضية هو دفاع عن حقه في معاملة قانونية عادلة، وعن ضرورة الفصل بين الخلاف السياسي والإجراء الإداري، وعن حق شباب لحج والجنوب في ألا تتحول قضاياهم إلى ساحة لتصفية الحسابات.
كما أن احترامنا لفريد العطفي يقتضي ألا يُحمَّل مسؤولية خلاف لم يصنعه بالضرورة، وألا يُدفع إلى مواجهة مع زميله في العمل الشبابي. فالاختلاف الحقيقي هنا ليس بين شابين، بل حول سلامة الإجراء، ومشروعيته، والرسالة التي يبعث بها إلى المجتمع.
أما وضاح الحالمي، فلن تختصره وظيفة، ولن تنهي علاقته بالشباب ورقة إعفاء. فالمنصب قد يُمنح ويُسحب، لكن ما يتركه الإنسان من أثر في حياة الناس لا يُمحى بقرار وسيبقى دعم الشباب ورعايتهم مسؤولية وطنية لا تتوقف عند حدود المكاتب، ولا تتبدل بتبدل المواقع