سخافة احمد الميسري.. وحماقة البرلمان العربي
الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 - 01:31 ص
صوت العاصمة/ كتب / د.صابر الحالمي :
عبارات مكررة وكلمات مستهلكة ومواقف تكشف حجم التناقض بين الشعارات والحقائق..
هكذا ظهر الميسري وكأنه وصيّ على الجنوب وشعبه ويتحدث عن الوطنية والحرص على الدماء بينما يتجاهل تضحيات الجنوبيين ومعاناة شعبهم وكأن الجنوب بلا أهل ولا قضية ولا تاريخ نضالي..
شخصية تنقلت بين المناصب لكن المناصب لا تصنع تاريخًا مشرّفًا ولا تمنح أحدًا حق الوصاية على الشعوب أو مصادرة إرادتها.
لقد عرّفتنا التجارب أن الوطنية ليست شعارات تُرفع عند الحاجة ولا خطابات تُستخدم لتصفية الحسابات السياسية بل مواقف صادقة تُقاس بما يقدمه أصحابها لشعوبهم في أوقات الشدائد.
ولمن يريد تقييم تجربة الميسري فليعد إلى سجل مواقفه منذ توليه مناصب المسؤولية من محافظة أبين إلى رئاسة الحكومة وليتأمل ما شهدته تلك المراحل من أحداث وتحديات وما تركته من أسئلة مشروعة لدى أبناء الجنوب بدلًا من الاكتفاء بخطابات التنظير والمزايدات السياسية فأبين الصامدة التي دفعت أثمانًا باهظة في مواجهة الإرهاب والحروب لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها بقدر حاجتها إلى مواقف عملية تنصف أبناءها وتحفظ تضحياتهم.
أما استدعاء المناطقية كلما عجز البعض عن مواجهة الحقائق فهو خطاب لا يخدم الجنوب بل يكشف إفلاسًا سياسيًا ومحاولة يائسة لشق الصف الجنوبي وإرباك إرادة أبنائه.
والحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع أن شعب الجنوب لم يعد تنطلي عليه الشعارات المستهلكة وقد تشكلت لدى قطاعات واسعة منه قناعة راسخة بضرورة استعادة دولته وتقرير مصيره ويرى الأغلبية الساحقة في الرئيس القائد عيدروس الزبيدي رمزًا لقيادته السياسية ومشروعه الوطني بما يحمله ذلك المشروع من تحديات ومسؤوليات جسيمة.
إن الجنوب اليوم ليس ساحة لتصفية الحسابات الحزبية ولا غنيمة يتقاسمها أصحاب المصالح ولا قضية يمكن اختزالها في تصريحات عابرة أو مواقف موسمية إنه شعب قدّم قوافل من الشهداء والجرحى ولن يتخلى عن تطلعاته لمجرد أن بعض السياسيين لا ينسجمون مع إرادته أو يرفضون الاعتراف بحقيقة قضيته.
أما البرلمان العربي فالسؤال الذي يفرض نفسه أين كانت هذه الحماسة عندما كانت الشعوب العربية تنزف تحت وطأة الحروب والمجازر والدمار؟
أين المواقف التي توازي حجم الكارثة الإنسانية في غزة وسائر الأراضي الفلسطينية؟
أين الصوت العربي الفاعل أمام ما شهدته العراق وسوريا وليبيا واليمن من حروب وانهيارات ومآسٍ إنسانية؟
أين كانت البيانات والقرارات الحاسمة حين اجتاح الحوثيون صنعاء وحين امتدت الحرب إلى الجنوب وسقط الضحايا من النساء والأطفال والشيوخ ودُمّرت المنازل والمساجد وتحولت مدن وقرى إلى ساحات للموت والدمار؟
إن هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا بل حق للشعوب التي تنتظر مواقف عادلة لا تخضع لازدواجية المعايير ولا تتغير بتغير المصالح والجهات المستهدفة.
ومن حقنا أن نتساءل لماذا تتعالى أصوات بعض البرلمانيين حين يتعلق الأمر بالجنوب بينما لا نرى المستوى ذاته من الحزم تجاه الانتهاكات والجرائم التي أرهقت شعوب المنطقة؟ ولماذا يُستدعى شعار وحدة اليمن كلما عبّر الجنوبيون عن تطلعاتهم وكأن الوحدة أصبحت نصًا مقدسًا لا يجوز للشعوب مناقشة واقعها السياسي في حين تُترك معاناة الناس وحقوقهم وتضحياتهم خلف أبواب الاجتماعات المغلقة؟
إن أي موقف عربي مسؤول ينبغي أن ينطلق من احترام إرادة الشعوب وحقها في الأمن والكرامة وتقرير المصير لا من فرض الوصاية عليها أو استخدام القضايا الوطنية لتبرير مواقف سياسية انتقائية.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن الواقع اليمني لم يعد كما كان وأن معالجة أزماته لا تكون بإنكار الحقائق ولا بترديد الشعارات القديمة بل بالاعتراف بجذور الصراع والبحث عن حلول عادلة تحفظ حقوق الأطراف وتستجيب لتطلعات الشعوب وتضحياتهم..
أما مطالبة الجنوبيين بالتخلي عن مشروعهم الوطني أو التشكيك في حقهم بالتعبير عن إرادتهم فلن تصنع سلامًا ولن تعيد الثقة ولن تمحو ذاكرة التضحيات التي قدموها على امتداد سنوات طويلة.
إن القوات الجنوبية وقوات العمالقة الجنوبية والمقاومة الجنوبية وأبناء الجنوب عمومًا قدموا تضحيات كبيرة في الدفاع عن أرضهم ومواجهة خصومهم واعدائهم ومن حق شعبهم أن يطالب بمستقبل آمن ومستقر واستقلال وبحل واضح ينهي دوامة الحروب ويضمن له حقه في تقرير مصيره واستعادة دولته ومن يختلف مع هذه التطلعات فليطرح موقفه بالحجة والبراهين لا بالتخوين والمزايدات ولا بمحاولة تحويل البرلمانات العربية إلى منصات للضغط السياسي على شعب دفع أثمانًا باهظة من دماء أبنائه.
يا أصحاب المنابر والكراسي الشعوب لا تستمد شرعيتها من بياناتكم ولا تستمد حقوقها من موافقتكم ولا تنتظر من أحد أن يمنحها الإذن لتطالب بمستقبلها..
فالشعوب التي صنعت مواقفها بالتضحيات لا تستطيع الخطابات أن تمحو تاريخها ولا تستطيع الضغوط أن تلغي تطلعاتها وأهدافها ولا تستطيع المصالح العابرة أن تنتصر على إرادة وطن وشعب جنوبي يتشبث بحقه في الحرية والكرامة واستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة
وسيظل الثابتون على المبادئ أوفياء لقضايا شعوبهم بينما تكشف المواقف المتناقضة حقيقة أصحابها مهما ارتفعت أصواتهم أو تعددت مناصبهم. أما الجنوب فقد علّمته سنوات النضال أن طريق الحقوق ليس مفروشًا بالورود وأن استعادة الدولة ليست شعارًا عابرًا بل مشروع سياسي وطني يتطلب وحدة الصف والحكمة والثبات والعمل المنظم.
إن إرادة الشعوب لا تُصادر وحقوق الأوطان لا تسقط بالتقادم ومستقبل الجنوب يجب أن يقرره أبناؤه بعيدًا عن الوصاية والمزايدات والصفقات السياسية