عيد الوحدة المغربي.. "المسيرة الخضراء"
السبت - 31 أكتوبر 2026 - 11:21 م
صوت العاصمة/ بقلم: الشيخ أحمد سعيد العمودي
عيد الوحدة المغربي .. "المسيرة الخضراء" ...
من 350 ألف متطوع بلا سلاح في صحراء 1975 إلى 11 صوتا في مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 ومن المسيرة الخضراء إلى المغرب الموحد من طنجة إلى الكويرة ...
في المغرب هناك تواريخ لا تكتب بالحبر بل تكتب بالدموع وبالأقدام الحافية على رمال الصحراء.
6 نوفمبر 1975 هو واحد منها و31 أكتوبر 2025 هو الثاني.
ففي 6 نوفمبر 1975 مشى 350 ألف مغربي ومغربية نحو الصحراء وهم يحملون المصحف والعلم المغربي ولا يحملون سلاحا واحدا.
وفي 31 أكتوبر 2025 صوت مجلس الأمن في نيويورك على قرار غير كل شيء.
وبين التاريخين خمسون سنة كاملة من الصبر والدبلوماسية والبناء والشهداء.
ولهذا قرر الملك محمد السادس أن يجعل 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا جديدا اسمه عيد الوحدة.
ولم يكن القرار مجرد إضافة عطلة جديدة إلى التقويم المغربي بل كان إعلانا بأن المغرب دخل مرحلة جديدة تماما وأن ما قبل 31 أكتوبر 2025 شيء وما بعده شيء آخر
والقصة تبدأ في مراكش في يوم واحد غير التاريخ
ففي 16 أكتوبر 1975 أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي رأيها الاستشاري حول الصحراء فأكدت وجود روابط تاريخية وبيعة بين قبائل الصحراء وسلاطين المغرب.
وفي نفس اليوم وقف الملك الحسن الثاني رحمه الله في مراكش وألقى خطابا إلى الشعب المغربي قال فيه كلمة واحدة ستبقى في الذاكرة المغربية إلى الأبد.
قال إن المغرب سيسترجع صحراءه بمسيرة سلمية خضراء لا يقتل فيها أحد ولا يجرح فيها أحد
وفي أيام قليلة تجمع في مدينة طرفاية على حدود الصحراء 350 ألف متطوع من كل المغرب من طنجة إلى وجدة ومن فاس إلى مراكش ومن أكادير إلى العيون.
كان بينهم الفلاح والطالب والمعلم والجندي المتقاعد والمرأة التي تركت أطفالها وجاءت تمشي وكان بينهم الشاب والشيخ وكانوا كلهم يلبسون لباسا واحدا ويحملون علما واحدا ويرددون نشيدا واحدا.
وفي صباح 6 نوفمبر 1975 تحركت المسيرة الخضراء ودخلت الصحراء سلميا وعبرت الحدود الإسبانية بلا رصاصة واحدة.
وبعد ثلاثة أيام في 9 نوفمبر 1975 وقف الحسن الثاني وقال إن المسيرة حققت هدفها وأمر المتطوعين بالعودة إلى طرفاية.
وكانت تلك أعظم مسيرة سلمية في تاريخ القرن العشرين فهي لم تحرر أرضا بالسلاح بل حررتها بإرادة شعب كامل مشى على قدميه.
وبعد المسيرة وقعت اتفاقية مدريد وانسحبت إسبانيا من الصحراء وعادت العيون والداخلة وبوجدور والسمارة إلى المغرب.
لكن النزاع لم ينته عند هذا الحد بل بدأ فصل طويل آخر استمر نصف قرن.
فقد رفضت جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر عودة الصحراء إلى المغرب وطالبت بالانفصال وقامت حرب في الصحراء استمرت سنوات ثم توقفت باتفاق وقف إطلاق النار عام 1991 وأنشئت بعثة الأمم المتحدة المينورسو لتنظيم استفتاء لم يتحقق أبدا لأن تحديد من يحق له التصويت أصبح مستحيلا بعد خمسين سنة.
وظل الملف في مجلس الأمن كل سنة يتجدد فيه ولاية المينورسو سنة بعد سنة بلا حل وبلا تقدم.
وفي عام 2007 قدم المغرب مبادرة جديدة غيرت قواعد اللعبة كلها وهي مبادرة الحكم الذاتي للصحراء تحت السيادة المغربية.
والمبادرة تقول إن الصحراويين يحكمون أنفسهم بأنفسهم في شؤونهم المحلية وينتخبون برلمانهم وحكومتهم المحلية ويديرون اقتصادهم وثقافتهم ولغتهم بينما تبقى السيادة والدفاع والخارجية والعملة بيد الدولة المغربية.
وقدم المغرب هذه المبادرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 11 أبريل 2007م
ومنذ ذلك اليوم بدأ العالم يتغير شيئا فشيئا فاعترفت أمريكا في ديسمبر 2020 بمغربية الصحراء وفتحت قنصلية في الداخلة وتبعتها إسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا ودول كثيرة أخرى وفتح أكثر من 30 بلدا قنصليات في العيون والداخلة.
لكن اللحظة الحاسمة جاءت في نيويورك في عشية 31 أكتوبر 2025م.
كان التصويت على ملف الصحراء مقررا يوم 30 أكتوبر 2025 فطلبت الجزائر تأجيله بحجة أزمة دارفور فتأجل يوما واحدا.
وفي عشية 31 أكتوبر 2025 اجتمع مجلس الأمن في جلسته رقم 10030 وصوت على القرار رقم 2797.
وكانت النتيجة 11 صوتا مع القرار وامتناع 3 دول هي الصين وروسيا وباكستان وغياب الجزائر عن التصويت وهي العضو في المجلس في ذلك العام فلم تشارك أصلا.
ولم يكن القرار قرارا عاديا لتجديد ولاية المينورسو فقط بل كان قرارا تاريخيا لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة.
فقد نص القرار لأول مرة صراحة على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية المقدمة عام 2007 هي أساس المفاوضات وأكد أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل الحل الأكثر قابلية للتحقق.
ودعا القرار الأطراف الأربعة المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا إلى الدخول في مفاوضات بلا شروط مسبقة على أساس المبادرة المغربية ومدد ولاية بعثة المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026 م.
وفي نفس الليلة خرج الملك محمد السادس في خطاب استثنائي إلى الأمة المغربية وقال جملة صارت شعار المرحلة كلها.
قال إن المغرب يعيش فتحا جديدا في مسار ترسيخ مغربية الصحراء والطي النهائي لهذا النزاع المفتعل.
وقال إن هناك ما قبل 31 أكتوبر 2025 وهناك ما بعده
وقال حان وقت المغرب الموحد من طنجة إلى الكويرة الذي لن يتطاول أحد على حقوقه وعلى حدوده التاريخية.
وخرجت بعد الخطاب مباشرة آلاف الجموع الشعبية في كل مدن المغرب من الرباط إلى الدار البيضاء ومن فاس إلى مراكش ومن العيون إلى الداخلة يحملون الأعلام الوطنية وصور الملك ويرددون هتافات الاعتزاز بالمغرب ووحدة أرضه.
وبعد أربعة أيام فقط وفي ليلة 4 نوفمبر 2025 أي قبل يومين من الاحتفال بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء أصدر الديوان الملكي بلاغا تاريخيا.
قال البلاغ إن الملك محمد السادس قرر جعل يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا جديدا يحمل اسم عيد الوحدة.
وقال البلاغ إن القرار جاء اعتبارا للتحول التاريخي الذي شهدته قضية الصحراء المغربية وما تكرسه من وحدة وطنية وترابية راسخة واستحضارا للتطورات الحاسمة التي حملها القرار رقم 2797.
وقال البلاغ إن عيد الوحدة سيكون مناسبة وطنية جامعة للتعبير عن التشبث بالمقدسات الوطنية وحقوق المملكة المشروعة وسيكون مناسبة يتفضل فيها الملك بإصدار عفوه السامي على السجناء كما يفعل في الأعياد الوطنية الكبرى.
وهكذا ولد عيد جديد في المغرب لم يولد من فراغ بل ولد من خمسين سنة من التضحيات.
فالمسيرة الخضراء كانت استرجاع الأرض بالأقدام والقرار الأممي 2797 كان تثبيت الاعتراف الدولي بالوثائق والأصوات.
وإذا كانت المسيرة الخضراء ترمز إلى استرجاع الأرض فإن عيد الوحدة يرمز إلى اكتمال الشرعية وتثبيت السيادة.
وإذا كانت المسيرة جسدت السيادة الشعبية بمشاركة 350 ألف متطوع فإن عيد الوحدة يجسد انتقال مركز الثقل من الداخل إلى الخارج من الفعل الشعبي إلى الاعتراف الأممي.
واليوم في عام 2026 يحتفل المغاربة بعيد الوحدة لأول مرة في تاريخهم.
ففي العيون عاصمة الصحراء تزينت الشوارع والساحات بالأعلام الوطنية والأضواء وصبغت الأرصفة وأعيد تأهيل الطرق والمساحات الخضراء.
وفي الداخلة والسمارة وبوجدور وكل الأقاليم الجنوبية تقام الاحتفالات الشعبية والمسيرات والمعارض التي تستحضر محطات استكمال الوحدة الترابية من 1975م إلى 2025م.
وفي الرباط والدار البيضاء وكل مدن الشمال تقام الندوات والخطب في المدارس والجامعات لتعليم الأجيال الجديدة قصة المسيرة وقصة القرار.
وصار عيد الوحدة مع عيد المسيرة الخضراء في 6 نوفمبر وعيد الاستقلال في 18 نوفمبر ثلاثية رمزية متكاملة فالمسيرة ترمز إلى استرجاع الأرض وعيد الوحدة يرمز إلى تثبيت الاعتراف وعيد الاستقلال يرمز إلى نهاية الحماية وعودة الملك محمد الخامس من المنفى.
ويقول المؤرخون المغاربة إن مديرة الوثائق الملكية بهيجة سيمو سجلت أن 31 أكتوبر 2025 سيسجل بمداد من الفخر ضمن الأحداث الكبرى التي بصمت تاريخ المملكة وأن المغرب انتقل من المسيرة الخضراء إلى مسيرات النماء ثم إلى مسيرة المغرب الموحد.
أما المغزى الأعمق لعيد الوحدة فهو أنه ليس عيدا للصحراء فقط بل عيد لكل المغاربة.
فهو عيد للوحدة الوطنية بين العرب والأمازيغ والصحراويين والحسانيين وعيد للوحدة الترابية من طنجة في أقصى الشمال إلى الكويرة في أقصى الجنوب وعيد للتلاحم بين العرش والشعب الذي ظهر في المسيرة الخضراء وظهر من جديد في ليلة 31 أكتوبر 2025 حين خرج الشعب كله إلى الشوارع بعد خطاب الملك.
وهو أيضا رسالة إلى الأجيال القادمة بأن الوحدة لا تهدى بل تصنع وأن المغرب دفع ثمنها خمسين سنة من الجهد الدبلوماسي والبناء التنموي في الصحراء من طرق وموانئ ومطارات وجامعات ومستشفيات ومن مشاريع ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تزنيت الداخلة.
ومن يفهم عيد الوحدة يفهم أن المغرب اليوم يقول للعالم إن صفحة النزاع المفتعل طويت وإن صفحة البناء والتنمية والحكم الذاتي تحت السيادة المغربية قد فتحت.
وإن 31 أكتوبر لم يعد في المغرب يوما عاديا في التقويم بل صار يوما يقف فيه المغربي ويقول أنا مغربي من طنجة إلى الكويرة وأرضي واحدة وعلمي واحد وملكي واحد.
هذا هو عيد الوحدة عيد ولد في صحراء 1975 واكتمل في قاعة مجلس الأمن في 2025 وسيبقى كل سنة يذكر المغاربة بأن من مشى حافيا نحو الصحراء بلا سلاح استطاع بعد خمسين سنة أن يجعل العالم كله يعترف بأن الصحراء مغربية .....