السعودية..إعادة الحسابات
الإثنين - 02 نوفمبر 2026 - 07:18 م
صوت العاصمة/خاص:
كتب : د. احمد باسردة
ثمة نخبة من المثقفين والمفكرين السعوديين، في مقدمتهم الأستاذ عبدالعزيز بن صقر، والأستاذ عبدالعزيز الخميس، والأستاذ عبدالرحمن الراشد، والأستاذ تركي الحمد، وأخيرًا عميد الصحافة السعودية الأستاذ خالد المالك، تدرك أن هناك خللًا في حسابات المملكة تجاه اليمن، وأن اللحظة الراهنة تفرض مراجعة هذه السياسات وإعادة تقييمها وتصويب مسارها قبل أن تتسع دائرة الخسائر ويصبح ثمن التصحيح أكبر من كلفة الاعتراف بالخطأ.
لقد دُمّر اليمن بقرارات غير حكيمة وحسابات سياسية أخفقت في قراءة الواقع اليمني وتعقيداته، واليوم تواجه السعودية مخاطر الصواريخ المجنونة التي لا تميّز بين المصالح ولا تحترم حدود الجغرافيا. وبين الأمس واليوم، تبرز حقيقة لا ينبغي تجاهلها: الحروب لا تصنع استقرارًا دائمًا، والقوة العسكرية وحدها لا تنتج حلولًا سياسية، مهما طال أمد المواجهة أو تعددت أدواتها.
إن استحضار العقل والمصلحة الوطنية والشجاعة السياسية بات ضرورة ملحّة، والشجاعة الحقيقية ليست في مواصلة الحرب، بل في امتلاك الجرأة على وقفها، وفتح آفاق السلام، وحقن الدماء، وصون الممتلكات، والاعتراف بأن السياسات الخاطئة لا تُصحَّح بالإصرار عليها، وإنما بمراجعتها وتغييرها.
الجغرافيا لا تتغير بالخصومة؛ فالسعودية ستظل جارة اليمن، واليمن سيظل جار السعودية. وهذه الحقيقة تفرض على البلدين التفكير بمنطق المصالح المشتركة وحسن الجوار، لا بمنطق الاستنزاف والعداء المفتوح. إن أمن السعودية لا ينفصل عن استقرار اليمن، كما أن استقرار اليمن لا يمكن أن يتحقق بتجاهل قضاياه الجوهرية أو فرض حلول لا تعبّر عن إرادة أبنائه.
وفي قلب هذه الأزمة تقف القضية الجنوبية، بوصفها جوهرًا أساسيًا من جذور الصراع اليمني، وقضية شعب يرى أن أرضه وحقوقه السياسية قد تعرضت للانتهاك والإقصاء. لقد استُبيحت أرض الجنوب، وتنازعت قواه أطراف متعددة، بينما ظل تطلعه إلى استعادة حقه في تقرير مستقبله حاضرًا في الوعي الشعبي والسياسي.
ومن هنا، فإن أي تسوية حقيقية ومستدامة لا بد أن تتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية وطنية قائمة بذاتها، لا ورقة للمساومة ولا ملفًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم. ويقتضي ذلك رفع الفيتو أمام حق الجنوبيين في اختيار مستقبلهم، بما في ذلك إقامة دولة جنوبية فيدرالية كاملة السيادة على حدود ما قبل عام 1990، عبر مسار سياسي سلمي يستند إلى إرادة شعب الجنوب وتطلعاته، ويضمن الحقوق المتبادلة وحسن الجوار والاستقرار الإقليمي.
إن الأصوات السعودية العاقلة التي تدعو إلى مراجعة الحسابات تستحق أن تُصغى إليها بجدية، وكأنها توجه رسالة مباشرة إلى صانع القرار في الديوان الملكي: حان وقت المراجعة، والاعتراف بأن استمرار النهج نفسه لن يقود إلا إلى نتائج أكثر كلفة. فالمصالح الاستراتيجية للمملكة لا تتحقق باستعداء اليمنيين، ولا بتحويل الجوار إلى ساحة صراع مفتوح، وإنما ببناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل، ومعالجة جذور الأزمة، وإنهاء أسباب العداء.
رسالتي واضحة: أعيدوا الحسابات اليوم قبل الغد، وأوقفوا الحرب، واتجهوا إلى طاولة المفاوضات بشجاعة ومسؤولية، واجعلوا السلام خيارًا استراتيجيًا لا مناورة مؤقتة. لا تفتحوا أبواب العداء مع أربعين مليون يمني، ولا تراهنوا على أن الشعوب ستنسى حقوقها أو تتخلى عن قضاياها تحت ضغط القوة.
إن الوقت يضيق، والمنطقة لا تحتمل مزيدًا من المغامرات. فإما مراجعة شجاعة تصنع السلام، وإما استمرار في مسار الاستنزاف الذي لن ينتصر فيه أحد، وسيكون الجميع من بين الخاسرين.