العقيدة القتـ.ـالية للجنوبيين.. من مدرسة "المبادرة الهجومية" إلى الحسم الميداني
الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026 - 12:33 ص
صوت العاصمة/ بقلم: أحمد سعيد كرامة
تُشكل العقيدة العسكرية الجوهر الحقيقي لأي قوة مسلحة في العالم، فهي ليست مجرد خطط تكتيكية تُطبق في ميدان المعركة، بل هي المنظومة الفكرية والتنظيمية التي تحدد هوية الجيش وطبيعة تدريبه ونوعية تسليحه، والأهم من ذلك كيف ومتى يقاتل.
وتتنوع هذه العقائد حول العالم بين مدارس دفاعية تكتفي بحماية الحدود والعمق الاستراتيجي، ومدارس هجومية ترتكز على نقل المعركة إلى أرض الخصم والمبادرة السريعة وإسقاط القوة خارج حدودها الجغرافية عند التهديد.
بُني جيش اليمن الديمقراطي الشعبي (جنوب اليمن) على عقيدة قتالية صلبة ومحترفة تميل بطبيعتها إلى الهجوم والمبادرة، ولم تكن عقيدته دفاعية تقييدية في أي مرحلة من تاريخه.
وقد انعكس ذلك الالتزام العسكري في انضباطه الصارم ومشاركته المباشرة وغير المباشرة في مسارح عمليات إقليمية ودولية متعددة منها:
*المواجهات الإقليمية:* خوض حروب ومناوشات عسكرية على جبهات متعددة لحماية حدوده وسيادته.
*المهام الخارجية العابرة للحدود:*
- مشاركة قتالية في حرب تشاد.
- الانخراط في الصراع الإثيوبي - الصومالي.
- الوقوف إلى جانب الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير في بيروت عام 1982 لمواجهة الغزو الإسرائيلي.
وعلى النقيض من ذلك، اتسمت عقيدة جيش اليمن الشمالي بطابعها الدفاعي والاستعراضي، حيث سعت القيادات السياسية والعسكرية حينها لإرسال ألوية من جيش اليمن الشمالي إلى جمهورية العراق لرفع الكفاءة والمهارات القتالية، إلا أن تلك المحاولات تصادمت مع هشاشة البنية التنظيمية وافتقارها للعقيدة الهجومية المتماسكة.
عند قراءة الخريطة العسكرية الدولية، نجد أن معظم جيوش العالم، مثل اليابان والدول الإسكندنافية، وغالبية الدول الأوروبية والخليجية، تعتمد عقائد دفاعية تركز على الردع وحماية الأراضي.
في المقابل تمتلك دول مثل الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي عقائد هجومية تعتمد على المبادأة والتواجد العسكري العابر للحدود.
إن تحويل العقيدة العسكرية لجيش ما من "دفاعية" إلى "هجومية" ليس مجرد قرار سياسي يُتخذ بين عشية وضحاها، بل هو مسار استراتيجي شاق يستغرق سنوات طويلة ويحتاج إلى:
1. تعديل المنظومة التشريعية والدستورية الحاكمة للقوات المسلحة.
2. إعادة تأهيل العنصر البشري وتغيير ثقافة المؤسسة العسكرية.
3. تزويد الجيش بأسلحة وآليات هجومية نوعية.
4. بناء ترسانة متقدمة تشمل الغواصات، الفرقاطات البحرية والقواعد العسكرية اللوجستية خارج الحدود.
إن ما شهدته الساحة اليمنية خلال العقد الماضي يقدم برهاناً ساطعاً على الفرق الشاسع في المهارات القتالية والجاهزية الميدانية بين مقاتلي جنوب اليمن وشماله، رغم التفاوت الكبير في التعداد البشري وحجم السلاح التقليدي والنوعي لصالح الشمال الذين استحوذوا على كامل ترسانة جيش الجمهورية اليمنية.
*ويتجلى هذا الفارق في معيارين رئيسيين:*
*1. الكفاءة القتالية وحجم التسليح:*
لو توفرت للقوات المسلحة الجنوبية ترسانة حديثة تتضمن صواريخ باليستية متعددة المدى، وطائرات مسيرة متطورة وآليات مدرعة وحديثة مزودة بكافة التجهيزات الحديثة وكاسحات ألغام متقدمة، لتمكنت من تغيير المعادلة العسكرية وحسم المعارك الميدانية لصالحها في وقت قياسي.
*2. الدافع الذاتي مقابل التعبئة الجبرية:*
- في الجنوب: يندفع المقاتلون نحو جبهات القتال بشكل تطوعي وعفوي، بدافع ذاتي ودفاعاً عن الدين والأرض والعرض، دون الحاجة لإعلان "نفير عام" أو فرضه بالقوة.
- في مناطق سيطرة الحوثيين: يعتمد الحشد العسكري على التعبئة القسرية وشحن الأطفال والشباب عقائدياً للزج بهم في أتون المعارك دون رغبة حقيقية أو عقيدة عسكرية وطنية.
إن العقيدة القتالية ليست مجرد شعار، بل هي الإيمان بالقضية والجاهزية للتضحية والمبادرة. وما يظهره المقاتل الجنوبي اليوم هو امتداد طبيعي لتاريخ عسكري طويل بُني على الاحتراف والانضباط والقدرة على حسم المعارك مهما بلغت التحديات.
وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.