مداد العاصمة



الجنوبُ اليوم: بين نخبٍ باحثةٍ عن سلطةٍ وشعبٍ ومعه من الأوفياء باحثين عن مشروع وطن

الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - 12:39 ص

الجنوبُ اليوم: بين نخبٍ باحثةٍ عن سلطةٍ وشعبٍ ومعه من الأوفياء باحثين عن مشروع وطن

صوت العاصمة/ بقلم: د. أمين العلياني


في مساءاتِ عدنَ التي لا تنامُ على حالٍ واحدٍ، يتكرَّرُ المشهدُ ذاتُهُ منذ ثلاثةِ عقودٍ: وجوهٌ تتبدَّلُ، وشعاراتٌ تُطوى وتُنشرُ، وذاكرةُ الشعبِ التي لا تخونُ تلاحظُ الفارقَ الدقيقَ بين من يحملُ الوطنَ في جيبِهِ، ومن يحملُ السلطةَ في قلبِهِ. ومن هنا ثمةَ سؤالٌ لم يعدْ ترفًا فكريًّا، بل ضرورةً وجوديةً: لماذا تعودُ النخبُ الجنوبيةُ إلى مناصرةِ المشروعِ التحرريِّ كلما فقدتِ السلطةَ، وتنساهُ كلما جلستْ على كرسيِّها؟ وهل باتتِ السلطةُ هي الوطنَ، أم أنَّ الوطنَ صار مجرَّدَ سلَّمٍ خشبيٍّ يُستعملُ للصعودِ ثمَّ يُرمى في العتمةِ؟

وثمَّةَ حقيقةٌ يعرفُها كلُّ من شاهدَ تحوُّلاتِ العقودِ الأخيرةِ في الجنوبِ: أنَّ الشعبَ لم يحملِ النخبَ على أكتافِهِ إلا لأنَّهُ رآها امتدادًا لدمِ الشهداءِ، وعرقِ المعتقلينَ، وزغاريدِ الأمهاتِ في وجهِ المدرَّعاتِ. وحين رفعتِ الجماهيرُ صورَ تلك النخبِ، لم تكنْ ترفعُ أسماءً بقدرِ ما كانتْ ترفعُ عنوانًا لوجعٍ قديمٍ وحلمٍ مؤجَّلٍ. غيرَ أنَّ المفارقةَ المزلزلةَ تتجلَّى في أنَّ بعضَ من وصلَ إلى مواقعِ القرارِ بدأ يتعاملُ مع المشروعِ التحرريِّ كأنَّهُ رصيدٌ انتخابيٌّ يُصرفُ عند الحاجةِ، لا كأمانةٍ نُقشتْ على جباهِ الملايينِ من الجنوبيينَ الذين قدَّموا أرواحَهُم ثمنَ كرامةٍ لا تُقدَّرُ بمنصبٍ، ولا تُباعُ بمكسبٍ عابرٍ.

ومن هنا يأتي التساؤلُ الموضوعيُّ: هل تحملُ النخبُ في طواياها مشروعينِ متناقضينِ؟ الأولُ ذاتيٌّ خفيٌّ عنوانُهُ «السلطةُ غايةٌ»، والثاني معلنٌ عنوانُهُ «الوطنُ سلَّمٌ لها». وفي اللحظةِ التي يتقاطعُ فيها المشروعانِ، يظهرُ الوجهُ الحقيقيُّ. فمن تربَّعَ على عرشِ السلطةِ بوصايةٍ لم يصنعْها نضالُهُ، وجدَ نفسَهُ أمامَ معادلةٍ صارخةٍ: إمَّا أن يحرسَ المشروعَ الذي أوصلَهُ، وإمَّا أن يحاربَ الكوادرَ التي تؤمنُ بهِ؛ لأنَّ بقاءَهُ مرهونٌ بتنفيذِ ما رُسمَ لهُ. وهنا يبدأُ الفصامُ المؤلمُ: خطاباتٌ كانتْ تُمجِّدُ التحريرَ، ثمَّ جاءتْ قراراتُهُم بعد تولِّي السلطةِ لتستهدفَ رموزَ التحريرِ؛ وكأنَّ شعاراتِهِم أيامَ ما كانوا قبلَ السلطةِ كانوا يرفعونَها في المهرجاناتِ، لكنَّ قراراتِهِم بعدَ تولِّيها جاءتْ تصفيةً حسابيةً تُمارسُ في المكاتبِ المغلقةِ.

ومن هنا لا يمكنُ المرورُ مرورَ الكرامِ على ما جرى للكوادرِ الجنوبيةِ المؤمنةِ باستعادةِ الدولةِ؛ فهذه الكوادرُ لم تكنْ نخبةً منعزلةً في أبراجٍ عاجيةٍ، بل كانتْ في الميادينِ والجبالِ والسجونِ والمنافي، تحملُ همَّ الناسِ قبلَ همِّ المناصبِ. وحين جاءَ من أوصلتْهُ الوصايةُ إلى سدَّةِ القرارِ، كان أولُ ما فعلَهُ محاربةُ هؤلاءِ الكوادرِ؛ لأنَّ وجودَهُم يُذكِّرُ بأنَّ المشروعَ أكبرُ من الشخصِ، وأنَّ الوطنيةَ ليستْ رداءً يُلبسُ في المناسباتِ ويُخلعُ في الخلواتِ. وكأنَّ هذا المسؤولَ قد استُخدمَ المشروعُ التحرريُّ في تجربتِهِ كرصيدٍ لرفعِ الأسهمِ الشخصيةِ، وحين حانَ وقتُ الوفاءِ نُسيَ الرصيدُ؛ لأنَّهُ لم يُبنَ على أصلٍ نضاليٍّ حقيقيٍّ، بل على مقايضةِ الوطنيةِ بكرسيٍّ.

ومن مظاهرِ الذين تولَّوا السلطةَ بعدَ أحداثِ يناير الداميةِ تسمعُ منهم الإساءاتِ التي لا تُقبلُ ولا تُغتفرُ: أنْ يبلغَ بعضُ من تربَّعوا على السلطةِ حدَّ التطاولِ على الرئيسِ عيدروس الزُّبيدي، وقدحِ نضالِهِ، واتهامِ وطنيتِهِ وكفاءتِهِ بالفسادِ واحتضانِ الفاسدينَ. فإذا كان هذا هو الحقُّ المزعومُ، فلماذا كانَ هؤلاءِ أنفسُهُم يحتضنونَ من وصلَ إلى السلطةِ عبرَ أبوابٍ ملتبسةٍ، ويتغاضونَ عن أصولِهِم التي أوصلتْهُم إلى ما هُم فيهِ؟ إنَّ المفارقةَ الساخرةَ أنَّ من يقدحُ في الرمزِ اليومَ كانَ بالأمسِ يرفعُ صورتَهُ في الميادينِ، ويستظلُّ بتفويضِ الشعبِ الذي منحَهُ الشرعيةَ. وحين انكشفَ الغبارُ، ظهرَ أنَّ بعضَ الوطنيةِ كانتْ مجرَّدَ قناعٍ يُخفى وراءَهُ طموحٌ لا يشبعُ.

لكنَّ الحقيقةَ التي يجبُ أن تُقالَ بلا مواربةٍ هي أنَّ الشعبَ الجنوبيَّ، رغمَ كلِّ الخيباتِ، لا يزالُ يُميِّزُ بين من يحملُ قضيتَهُ في ضلوعِهِ، ومن يحملُها في حقيبةِ سفرِهِ. والذاكرةُ الجماعيةُ ليستْ صفحةً بيضاءَ تُكتبُ فيها الأنباءُ الكاذبةُ؛ فحين تُستباحُ الكرامةُ، يتذكَّرُ الناسُ من وقفَ معَهُم في العتمةِ، ومن باعَهُم في النورِ. والدرسُ الذي يجبُ أن يُستخلصَ هو أنَّ السلطةَ التي تُبنى على أنقاضِ المشروعِ التحرريِّ لا تدومُ؛ لأنَّها تكونُ قد فقدتْ شرعيتَها الحقيقيةَ: شرعيةَ الدمِ والتضحياتِ والثقةِ الشعبيةِ.

في نهايةِ هذه المقالةِ، يبقى السؤالُ معلَّقًا في سماءِ الجنوبِ: هل نريدُ نخبًا تحكمُنا باسمِ الوطنِ ثمَّ تنساهُ، أم نخبًا تحملُ الوطنَ فتُحكِّمُ ضميرَها قبلَ مصلحتِها؟ إنَّ الوطنَ ليسَ كرسيًّا يُجلسُ عليهِ المرءُ نفسَهُ، بل هو ذلك الشعورُ الغامرُ بأنَّكَ جزءٌ من حكايةٍ أكبرَ من عمرِكَ، وأنَّ ما تقدِّمُهُ اليومَ سيذكرُهُ الناسُ غدًا، لا لأنَّكَ كنتَ في موقعٍ، بل لأنَّكَ كنتَ في القلبِ. والجنوبُ الذي قدَّمَ قوافلَ الشهداءِ لا يستحقُّ نخبًا تتقاذفُها أمواجُ السلطةِ، بل يستحقُّ رجالًا يعرفونَ أنَّ التاريخَ لا يسجِّلُ أسماءَ من جلسوا على الكراسيِّ، بل أسماءَ من صنعوا للكراسيِّ معنىً يستحقُّ الجلوسَ.



الأكثر زيارة


قرار جمهوري بتعديل وزاري في حكومة الزنداني يمنح حقيبة الإعلا.

الإثنين/02/نوفمبر/2026 - 10:55 م

صدر اليوم الاثنين القرار الجمهوري رقم (74 ) لسنة 2026م، قضت المادة الاولى منه بتعديل القرار الجمهوري رقم (3) لسنة 2026م بشأن تشكيل الحكومة وتسمية أعضا


عاجل | بعد انكساره في الممشاح..القوات الجنوبية تكسر هجوماً ث.

الثلاثاء/03/نوفمبر/2026 - 03:09 ص

بعد ساعات من انكسار هجومه على موقع الممشاح وتكبده خسائر فادحة بالأرواح بين عناصره، عاودت مليشيا الحوثي الإرهابية في هذه اللحظات شن هجوم ثانٍ بنسق جديد


العميد صامد القُبّة يعزّي باستشهاد القائد أيمن عسكر وكوكبة م.

الثلاثاء/03/نوفمبر/2026 - 12:12 ص

بعث العميد الركن صامد محمد علي القُبّة، قائد اللواء 32 مشاة، برقية عزاء ومواساة في استشهاد العميد أيمن عسكر، قائد لواء الإسناد بالفرقة الثانية عمالقة


عاجل: الشيخ باكريت يفجّرها: إعلان حل الانتقالي في الرياض باط.

الثلاثاء/03/نوفمبر/2026 - 07:37 م

صعّد القيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي، الشيخ راجح باكريت من موقفه الرافض لما جرى في العاصمة السعودية الرياض بشأن إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي،